لماذا وإلى أين ؟

أنبياء المغرب (الحلقة1): حاميم الغماري.. “النبي” الذي صاغ قرآنا وقلص الصيام لأسبوع والافطار عند الظهر

اذا كان تاريخ المغرب قد شهد حركات سياسية ومقاومة شرسة، فقد شهد أيضا ثورات روحية ”غريبة” حاولت صياغة دينية بلمسة محلية صرفة.

ومن بين هذه الشخصيات الأكثر إثارة للجدل، يبرز اسم حاميم الغماري، الرجل الذي لم يكتفِ بادعاء النبوة، بل وضع ديناجديدا على مقاسه بقرآنه وتشريعاته، انطلق من تخوم تطوان ليغزو عقول قبائل غمارة.

في ثنايا جبال الريف، وتحديدا بمنطقة “مجكسة” القريبة من تطوان، انبعثت واحدة من أغرب الحركات الروحية في تاريخ المغرب سنة 313 هجرية. هناك، أعلن حاميم الغماري نبوته مستغلا حالة الفراغ السياسي التي أعقبت انهيار الدولة الإدريسية.

لم يكن حاميم مجرد مدع عابر، بل كان سليل أسرة تشبعت بالكهانة والسحر، حيث أحاط نفسه بهالة من القداسة العائلية، حين أعلن إيمانه بنبوة عمته “تانفيت” وأخته “دبو” التي كان الناس يستغيثون بها في أوقات القحط والحروب، ليصيغ بذلك ديانة محلية جمعت بين أركان الإسلام وبين تقاليد غمارة الأمازيغية.

اعترف حاميم بنبوة محمد ﷺ، لكنه زعم أنه جاء لإصلاح الدين وتبسيطه بما يتلاءم مع المجتمع الغماري، فكانت النتيجة خليطا عجيبا بين الإسلام والأعراف الأمازيغية السائدة آنذاك.

دفعه ذلك إلى تأليف كتاب باللسان الأمازيغي ليكون “قرآنا” يتلى في الصلوات، تضمن عبارات تمجد شخصه وعائلته وتستجدي المغفرة بأسلوب وجداني.

وقد تضمن هذا الكتاب آيات تقول بما مفادها: “يا من يخلي البصر ينظر في الدنيا خلني من الذنوب.. يا من أخرج موسى من البحر آمنت بحاميم وبأبيه أبي خلف من الله”، وهو ما جعل أتباعه من قبائل غمارة يقرون بنبوته ويقدسون لغته التي جعلت من جسده وعقله ودمه جزءا من ميثاق الإيمان الجديد.

وعلى مستوى العبادات، أحدث حاميم ثورة تشريعية صادمة، حيث قلص الصلوات الخمس إلى صلاتين فقط عند شروق الشمس وغروبها، وجعل ركعاتها ثلاثا مع السجود على بطون الأيدي بدلا من الكفوف.

ولم يتوقف التغيير عند الصلاة، بل طال الصيام أيضا؛ إذ أسقط معظم أيام رمضان وفرض صيام أسبوع واحد فقط، أو صيام يوم الخميس والجمعة والأربعاء إلى حدود الظهر، كما نقل عيد الفطر إلى الثاني من شوال، مع إلغاء تام لمراسم الحج والطهارة والوضوء، معتبرا أن الجوهر الروحي يغني عن هذه الشكليات.

أما في مجال المباحات والمحرمات، فقد وضع حاميم نظاما غذائيا فريدا أثار دهشة المؤرخين، حيث أحل لأتباعه أكل لحم أنثى الخنزير بناء على تأويله الخاص بأن التحريم في القرآن شمل الذكور دون الإناث.

وفي المقابل، فرض تحريمات غريبة شملت أكل البيض من جميع الطيور، وحرّم أكل السمك حتى يتم تذكيته، كما منع أكل رؤوس الحيوانات قاطبة. وفرض “العُشر” من كل المحاصيل كزكاة واجبة له، وجعل كفارة الإفطار في أوقات الصيام غرامة مالية قاسية تصل إلى ثورين أو ثلاثة تُساق إلى بيت نبوته.

لم تدم دعوة حاميم طويلا، إذ سرعان ما اصطدم بطموحات القوى المجاورة والمد السني القادم من الأندلس.

ففي سنة 315 هجرية، لقي حتفه في حروب طاحنة مع قبائل مصمودة الموالية لأمويي قرطبة في ضواحي طنجة.

وتقول الروايات التاريخية إن جثته صُلبت في قصر مصمودة وحُمل رأسه إلى قرطبة ليطاف به في الأسواق، لتنتهي بذلك قصة “نبي” أراد صياغة إسلام على مقاس الجبل، تاركا خلفه جبل حاميم” شاهدا على حقبة من تاريخ المغاربة المسكوت عنه.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
عبدو
المعلق(ة)
20 فبراير 2026 10:25

قرآن حاميم ،وقران بورغواطة ؟؟ التمس من الباحثين المتخصصين ، مزيدا من التوضيح ،ومزيدا من البحث ،فربما هناك قرانات لقبائل امازيغية أخرى.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x