لماذا وإلى أين ؟

عائلات المال بالمغرب (2): “آل بنجلون”؛ حين يتحول المال إلى شجرة نفوذ

في المغرب، قد تتغير الحكومات وتتبدل التحالفات، لكن بعض الألقاب تظل حاضرة حيث يوجد “المال الثقيل”.

وفي الحلقة الثانية من سلسلة “عائلات المال بالمغرب”، نقترب من عائلة بنجلون، الاسم الذي صار مرادفا للبنك، وللاستثمار العابر للحدود، ولنسخة مغربية من الرأسمالية العائلية طويلة النفس.

مجلة Jeune Afrique لخصت الحكاية بعنوان دال ذات مقال: “التجارة في الدم”.

العبارة ليست مجازا صحفيا فقط، بل توصيف لمسار بدأ منذ ثلاثة قرون، حين كان أجداد العائلة يشتغلون في التجارة بالجملة بين إفريقيا وأوروبا، قبل أن تتحول فاس من مدينة علم إلى مدينة مال.

عالم الاجتماع حسن قرنفال يذهب بعيدا حين يقول إن “مئات العائلات تنتحل لقب بنجلون” لأن الاسم أصبح رأسمالا رمزيا.

في المغرب، حين يتحول اللقب إلى علامة تجارية، نكون أمام عائلة تجاوزت حدود النسب إلى مجال النفوذ.

داخل العائلة فروع كثيرة: التويمي، القساع، بن مفضل، درب جنيار، جبينة…

ومن فرع جبينة خرج عبد القادر بنجلون، الذي شغل وزارة المالية والعدل والشغل في بدايات الدولة الوطنية.

منذ تلك اللحظة، صار الاسم يعبر بين فضائين: فضاء الدولة وفضاء السوق.

لكن التحول الأكبر حصل حين انتقلت العائلة من التجارة التقليدية إلى الصناعة، ثم التأمينات في أواخر الأربعينات، فالأبناك في منتصف التسعينات، ثم الاتصالات مطلع الألفية.

هكذا روى عثمان بنجلون في إحدى مداخلاته بقمة ريادة الأعمال بمراكش: مسار يقوم على التنويع، وعلى ما يسميه “حب الوطن وخدمة الناس عبر خلق فرص الشغل”.

اليوم، يقود بنجلون مجموعة Bank of Africa–BMCE، الحاضرة في أكثر من عشرين بلدا إفريقيا.

وفق تصنيف Forbes Middle East في يناير 2026، ارتفعت ثروة العائلة بـ300 مليون دولار في عشرة أشهر فقط، لتحتل المرتبة الثالثة إقليميا من حيث نمو الثروة.

وقبل ذلك بأشهر، كتبت Forbes أن عثمان بنجلون استعاد لقب أغنى رجل في المغرب بثروة تقارب ملياري دولار، بزيادة 400 مليون دولار في عام واحد.

الأرقام هنا ليست مجرد حسابات بورصة، بل مؤشر على رسوخ نموذج عائلي استطاع أن يواكب تحولات الرأسمالية المغربية.

العائلة لا تشتغل في البنك فقط.

من خلال ” Finance.Com “، تمتد الاستثمارات إلى التأمين، الاتصالات، العقار الفاخر، والفلاحة الكبرى.

شبكة مصالح تتقاطع فيها إفريقيا بالدار البيضاء، والأسواق المالية بالضيعات الفلاحية.

في تصنيف “أقوى 100 عائلة عربية” لسنة 2025، حلت عائلة بنجلون ضمن اللائحة، إلى جانب عائلات خليجية ولبنانية نافذة.

المعايير التي اعتمدتها فوربس لم تكن رمزية: حجم الاستثمارات، تنوع القطاعات، الأداء المالي، وعدد الموظفين.

بمعنى آخر: قوة العائلة تقاس بقدرتها على الاستمرار.

غير أن ما يميز خطاب بنجلون، كما يظهر في تدخلاته، هو الرهان على “الرأسمال البشري” و”الاستثمار في المواهب”، خصوصا في إفريقيا الشابة.

يتحدث عن التفاؤل كقيمة مؤسساتية، ويستشهد بتشرشل، ويعلن عن جائزة سنوية للمقاولة الإفريقية بمليون دولار.

الرأسمالية هنا تقدم نفسها بوجه تنموي.

لكن خلف خطاب التفاؤل، ثمة سؤال أعمق: كيف تتحول عائلة إلى مؤسسة عابرة للأجيال؟، كيف يصير الاسم شبكة، وكيف يتحول المال إلى شكل من أشكال السلطة الهادئة؟

آل بنجلون لم يكونوا حزبا سياسيا، لكنهم صاروا فاعلا اقتصاديا يصعب تجاوزه.

لم يرفعوا شعارات، لكنهم نسجوا حضورا في البنك والتأمين والاتصال.

في المغرب، كما في أماكن أخرى، ليست كل السلطة تمر عبر صندوق الاقتراع… بعضها يمر عبر دفتر الشيكات.

وفي الحلقة المقبلة، سنقترب من عائلة أخرى، لنعيد السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يصنع النفوذ الثروة… أم تصنع الثروة النفوذ؟.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x