2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. “الطاحونة” من شباك الصيد في الدالية لأشهر البارونات
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
لم يكن اسم مصطفى الشعيري، الملقب بـ”طاحونة”، مجرد لقب عابر في أحياء طنجة. فرغم أنك لن تجد أي من صوره رغم بحث جهيد على عكس بارونات آخرين شهيرين، إلا أن اسمه يتردد همساً في المقاهي المطلة على المضيق، ويُذكر بحذر في جلسات الصيادين القدامى بمنطقة الدالية، القرية التي تعلو الميناء المتوسطي. هناك، حيث يلتقي زرقة البحر بصلابة الجبال، بدأت الحكاية.
طنجة لم تكن فقط مسقط رأسه، بل كانت مسرح صعوده وسقوطه؛ مدينة احتضنت خطواته الأولى، ثم شهدت لحظة إسدال الستار على واحد من أكثر الأسماء إثارة في عالم التهريب عبر المضيق.
من قوارب الصيد إلى “رحلات الظل” عبر المضيق
وُلد “طاحونة” سنة 1975 في قرية دالية، على مقربة من الميناء الذي سيصبح لاحقاً أحد أكبر الموانئ في إفريقيا. في طفولته كان البحر مصدر رزق، وفي شبابه صار ممراً لأحلام أكبر من حجمه. بدأ حياته المهنية في الصيد البحري بمنطقة القصر الصغير، يتقن قراءة الرياح والتيارات، ويعرف متى يكون البحر حليفاً ومتى يتحول إلى خصم شرس. غير أن تلك المعرفة نفسها، التي صنعت منه بحاراً جيداً، فتحت أمامه أبواب عالم آخر أكثر ربحاً وأشد خطراً.
في أواخر التسعينيات، خطا أولى خطواته في نقل شحنات من الحشيش انطلاقاً من جبال قرية بليونش نحو السواحل الجنوبية للأندلس. كانت العملية الأولى سنة 1997، وحملت معها طموحاً لم يتوقف عند حدود مغامرة عابرة. تلتها عمليات متفرقة، لم تكن كثيفة في البداية، لكنها كانت كافية لتضع اسمه على رادار شبكات التهريب الكبرى. لم يكن صعوده صاروخياً كما حدث مع بعض البارونات الذين سبقوه، بل كان متدرجاً، حذراً، أقرب إلى لاعب شطرنج ينتظر اللحظة المناسبة لتحريك قطعه.
بين 2003 و2007، تكثفت تحركاته بشكل لافت. اشتغل لحساب شبكات تمتد بين المغرب وهولندا، وأشرف على ما يقارب عشر عمليات كبرى، تراوحت كميات الشحنات فيها بين طن وطنين إلى ثلاثة أطنان في بعض الأحيان. في تلك المرحلة، صار لقبه “الطاحونة” متداولاً في الأوساط المقربة، إشارة إلى قدرته على “طحن” المسافات بين الضفتين وتحويل البحر إلى جسر سري لعبور الممنوع.
لكن سنة 2003 كانت أيضاً سنة التحول. اسمه ظهر لأول مرة في ملف بارز يتعلق بأحد كبار المتورطين في الاتجار الدولي. منذ تلك اللحظة، دخل دائرة الضوء الأمني. صدرت في حقه أول مذكرة بحث دولية سنة 2002، وورد اسمه ضمن قائمة تضم ثلاثين مطلوباً على الصعيد الدولي. ورغم صدور حكم غيابي ضده بالسجن سبع سنوات في ملف سابق، تمكن من الإفلات، مستفيداً من شبكة علاقات نسجها بعناية على ضفتي المضيق.
لحظة هروبه الأشهر جاءت يوم اعتقال أحد كبار المهربين المعروف بلقب “الشريف بين الويدان”. في ذلك اليوم، اختفى “طاحونة” على متن دراجة مائية (جيتسكي)، متجهاً نحو جزيرة ليلى، قبل أن يتواصل مع عناصر من شبكته في مدينة طريفة الإسبانية، حيث تمكن من التواري مجدداً. تقول مصادر محلية من عاصمة البوغاز إن الجزيرة كانت ملاذه المؤقت في أكثر من مناسبة، نقطة استراحة بين مطاردة وأخرى.
إلى جانبه، كان عبد الله الشريف، المعروف بـ“بلحاج”، يلعب دور الممون الرئيسي. ينحدر هذا الأخير من منطقة شفشاون، واعترف خلال التحقيقات سنة 2007 بأنه امتهن زراعة القنب والاتجار فيه منذ مطلع الثمانينيات رفقة أفراد من عائلته. وبعد فرار شقيقه إلى أوروبا سنة 2001، تولى إدارة “المشروع العائلي”، ليصبح أحد أبرز مزودي شبكات التهريب آنذاك في جهة طنجة-تطوان.
النهاية في شارع وجدة.. وحكم ثقيل
مع توالي الملفات وتضييق الخناق، بدأ اسم “طاحونة” يطفو مجدداً إلى السطح بعد تفجر قضية أخرى هزت الرأي العام. خلال الأشهر الستة التي سبقت اعتقاله، عاد اسمه بقوة في التحقيقات، وتقاطعت خيوط عدة عند شخصه. كان يتحرك بحذر، لكنه ارتكب خطأ البقاء طويلاً في مكان واحد.
في فبراير من سنة 2007، حددت المصالح الأمنية موقعه داخل شقة بشارع وجدة، غير بعيد عن كورنيش طنجة. العملية كانت دقيقة وسريعة؛ طوق أمني أحكم الحصار حول البناية، وتحركات محسوبة لمنع أي محاولة فرار. حاول في البداية الإفلات، مستحضراً ربما مشهد الدراجة المائية والهروب نحو الأفق، لكن هذه المرة لم يكن البحر في انتظاره. انتهت المطاردة داخل أربعة جدران، وانتهى معها فصل طويل من الكر والفر.
أحيل الملف على الغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، التي أصدرت حكمها بالسجن النافذ 15 سنة في حق مصطفى الشعيري بتهمة الحيازة والاتجار الدولي في المخدرات. شريكه “بلحاج” نال بدوره ثماني سنوات سجناً نافذاً. ولم يتوقف الحكم عند العقوبات السالبة للحرية؛ إذ فرضت المحكمة عليهما غرامة مالية قدرها 200 ألف درهم تضامناً، مع إلزامهما بأداء 151 مليون درهم لفائدة إدارة الجمارك.
كما أمرت المحكمة بمصادرة ممتلكاتهما التي تبين أنها اقتنيت خلال سنوات نشاطهما، منذ أواخر التسعينيات بالنسبة لـ“طاحونة” ومنذ منتصف الثمانينيات بالنسبة لشريكه. وخلال جلسات المحاكمة، تم الاستماع أيضاً إلى ثلاثة عناصر من الدرك وردت أسماؤهم خلال التحقيق، غير أنهم نفوا أي صلة لهم بالمتهمين.
هكذا طُويت صفحة أحد أكثر الأسماء إثارة في سجل التهريب عبر مضيق جبل طارق. من شاب بدأ حياته بين شباك الصيد في دالية، إلى اسم مدرج في لوائح البحث الدولية، ثم إلى متهم يقف أمام هيئة قضائية في طنجة… مسار يكشف كيف يمكن لخطوة واحدة نحو الربح السريع أن تقود إلى سنوات طويلة خلف القضبان. أما طنجة، المدينة التي شهدت كل الفصول، فقد احتفظت بالقصة في ذاكرتها، كحكاية أخرى من حكايات البحر التي تبدأ بموجة وتنتهي بصمت ثقيل.
وفي نهاية درامية لمسار طويل من الجدل، توفي مصطفى الشعيري، الملقب بـ“الطاحونة”، يوم 9 مارس من سنة 2021 إثر حادثة سير مميتة على الطريق السيار بضواحي العرائش، بعدما اصطدمت سيارته بشاحنة لنقل المياه انقلبت فجأة، ما أسفر أيضاً عن إصابة آخرين بجروح خطيرة. بعدما كان يعيش حياته بعد السجن كرجل أعمال، ومسير لسلسلة مقاهي بطنجة ومدن أخرى.
