2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. مصطفى “اللويو” سيرة “شبيرة” بين الهيبة والسقوط
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
لم تكن طنجة في أواخر السبعينات والثمانينات مجرد مدينة تعيش على إيقاع البحر والتجارة، بل كانت فضاءً مفتوحاً على تحولات اجتماعية حادة، حيث اختلطت البطالة بأحلام الهجرة، وازدهرت تجارة المخدرات في الشمال، وظهرت أسماء طبعت ذاكرة الأحياء الشعبية.
في تلك المرحلة، برز اسم مصطفى اللويو، ابن حي المصلى، كواحد من الوجوه التي صنعت لنفسها حضوراً قوياً في زمن عُرف بحروب محلية بين أحياء المدينة سميت بـ“حرب الحوام”، وعرف أيضا بـ”الشبيرات” الذي حفروا اسمهم في تاريخ طنجة بالقوة. اللويو لم يكن مجرد شاب عابر في الأزقة، بل تحول إلى شخصية مثيرة للجدل، بين من رآه “ولد الناس” صاحب نخوة، ومن اعتبره جزءاً من طريق مظلم لا نهاية له إلا الخسارة.
زمن “الشبيرات”… الهيبة قبل الفوضى
وُلد مصطفى اللويو في أوائل السبعينات بحي الدار البيضاء في المصلى، ونشأ في فترة كان فيها كثير من شباب طنجة متأثرين بثقافة العصابات كما تنقلها أفلام الغرب الأمريكي: لباس مميز، حضور قوي، وإحساس مبالغ فيه بالهيبة. في تلك السنوات، لم تكن “حرب الحوام” قد بلغت ذروتها بعد، لكن ملامحها كانت تتشكل. كل حيّ يلتف حول شبانه، وكل مجموعة تسعى لإثبات نفوذها.
يحكي “با دريس” الذي عايش تلك الحقبة، أن اللويو كان قريباً من فجر الدين، المولود سنة 1962، والذي اعتبره كثيرون بمثابة “الأخ الأكبر” لشبان المصلى. ومع مرور الوقت، تشكلت نواة مجموعة ضمت أسماء أخرى، وأصبحت لها سطوة داخل الحي. يروي “با دريس” أن اللويو ورفاقه كانوا يتدخلون أحياناً لنصرة من يتعرض للظلم داخل الحي، وأنهم لم يكونوا، في نظر بعض السكان، يميلون إلى الاعتداء على الضعفاء. غير أن هذا “الوجه الاجتماعي” لم يلغِ انخراطهم في أنشطة غير قانونية، خصوصاً في الاتجار بالمخدرات، التي كانت آنذاك في أوج انتشارها بالشمال.

لاحقاً، التحق بعضهم بالخدمة العسكرية، غير أن نشاط الترويج لم يتوقف، بل امتد حتى داخل الثكنات، ما أدى إلى احتكاكات خطيرة، من بينها واقعة اعتداء على مسؤول عسكري، أعقبتها متابعات وهروب وعودة إلى دائرة الملاحقة. ومنذ أواخر الثمانينات، بدأت الاعتقالات تتكرر، وكانت وجهتهم في الغالب السجن المعروف بطنجة والذي أغلق حديثا، سجن “سات فيلاج”، وهو الاسم المتداول شعبياً نسبة إلى معمل كان مجاوراً له في السابق.
داخل السجن، نسجت حول اللويو روايات كثيرة. قيل إنه كان يفرض حضوره بقوة شخصيته وبنيته الجسدية، وإنه لم يكن يقبل ما يعتبره “حكرة” سواء داخل الأسوار أو خارجها. ومن القصص التي تروى عنه أنه دخل في مواجهة مع أحد السجناء الذين اعتادوا التضييق على الوافدين الجدد، في حادثة ظلت تتردد طويلاً بين النزلاء. غير أن تلك الهيبة نفسها جلبت له خصومات مع بعض المسؤولين، من بينهم مدير سجن قيل إنه تعمد إذلاله أمام باقي السجناء في محاولة لكسر نفوذه، ما أدى إلى توترات متكررة وعقوبات قاسية.
الدم والندم… والنهاية بالغدر
أخطر المنعطفات في مسار المجموعة وقصة اللويو كان حادثاً دامياً انطلق من شجار في أحد أحياء المدينة القديمة، وتطور بسرعة إلى جريمة قتل تورط فيها فجر الدين، وحُكم عليه بالسجن المؤبد. شكل ذلك الحدث صدمة قوية، واعتبره كثيرون بداية النهاية لجيل كامل من “شبان الحومة”. قيل إن اللويو تأثر بشدة بما جرى، وإنه كان سريع الغضب، يوجه الأذى لنفسه كلما وجد نفسه عاجزاً عن تغيير الواقع، في سلوك فسره البعض كدليل على صراع داخلي بين الولاء لأصدقائه والشعور بثقل الطريق الذي اختاره.
ترددت أيضاً روايات عن محاولة للهروب من السجن سنة 1993، ارتبطت بخطة لإدخال فجر الدين إلى المستشفى أملاً في استغلال الفرصة للفرار، غير أن الإجراءات الأمنية المشددة أفشلت المسعى، وأعيد إلى زنزانته. تعددت التأويلات حول الهدف الحقيقي من تلك الخطوة، بين من قال إنها محاولة هروب، ومن اعتبرها مجرد سعي لإدخال ممنوعات، لكن المؤكد أن الشكوك والرقابة ازدادت بعدها.

بعد سنوات من الدخول والخروج من السجن، ظل اللويو يعيش بين الظل والمواجهة. غير أن نهايته لم تأتِ في اشتباك أو مطاردة، بل في حادثة غدر صامتة. إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أنه كان يتعاطى “الغبرة”، قبل أن يعمد شخص إلى خلط مسحوق الزجاج بها. لم تمضِ مدة طويلة حتى تدهورت حالته بشكل خطير، نتيجة نزيف داخلي حاد، ليفارق الحياة في مشهد صادم أنهى مساراً طويلاً من العنف والتمرد، نتيجة غدر لم يتم أبدا إثباته.
هكذا انطفأ اسم مصطفى اللويو، أحد وجوه مرحلة صاخبة من تاريخ طنجة الشعبي. بين من يرويه كبطل حومة لم يكن يقبل الظلم، ومن يراه مثالاً صارخاً على أن الطريق المظلم لا يقود إلا إلى خسارات متتالية، تبقى قصته جزءاً من ذاكرة مدينة عاشت تحولات قاسية، ودفعت ثمن سنوات كانت فيها الهيبة تُنتزع بالقوة، قبل أن تكتشف أن النهاية غالباً ما تكون أفدح من كل المكاسب المؤقتة.