لماذا وإلى أين ؟

أنبياء المغرب: سيدي واساي.. جدلية “الولي” و”النبي” في ثغر ماسة الساحلي (ح3)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة الثالثة: سيدي واساي.. جدلية “الولي” و”النبي” في ثغر ماسة الساحلي (ح3)

يحتل سيدي عبد الرحمن الروندي، الشهير بـ “سيدي واساي” مكانة مركزية في جغرافية التصوف ببلاد سوس، وتحديدا عند مصب وادي ماسة على المحيط الأطلسي.

لا تذكر المصادر التاريخية الرصينة تاريخا محددا لميلاده أو وفاته بدقة تقطع الشك باليقين، لكن صورته تتبلور في الذاكرة المغربية كواحد من المرابطين الذين جمعوا بين التعبد وحراسة الثغور البحرية.

تعود جذور قدسيته إلى ارتباط اسمه بموقع رباط ماسة، وهو مركز ديني وعسكري قديم كان له شأن عظيم في العصور الوسطى، خاصة في عهد المرابطين والموحدين، حيث كان يقصده الصالحون والعلماء من كل فج.

تتعدد الروايات في نسبه، لكنها تجتمع على كونه وافدا حمل معه أنوار المشرق والأندلس إلى سواحل المغرب. يرجح العلامة المختار السوسي في كتابه “المعسول” (الجزء الرابع) أصوله الركراكية (إيركراكن)، وهي طائفة عريقة ارتبطت ببدء دخول الإسلام للمغرب، بينما تذهب وثائق عائلية لدى أحفاده، أشار إليها السوسي أيضا، إلى كونه “عمريا عدويا” من ذرية عمر بن الخطاب، ولد بمكة المكرمة وهاجر للأندلس (رندة) قبل أن يستقر بمصمودة سوس في القرن السادس الهجري. هذا التعدد في النسب، وفق مؤرخين، يمنح الشخصية أبعادا رمزية؛ فهي تجمع بين بركة البيت العمري، وعراقة الركراكي، وفضل الهجرة العلمية.

في هذا السياق، يحلل الباحث في التاريخ الحسين بوالزيت هذا الحضور الطاغي للولي في الوجدان المحلي موضحا أن: “ظاهرة انتشار القبب على طول الساحل الماسي، تكريم وتعظيم للشخصيات المدفونة فيها، نظرا لصلاحهم، ومنافحتهم في سبيل رد الغزاة وحراسة الشواطئ”. فالرجل لم يكن مجرد عابد، بل كان جزءا من “جدار رمزي” يحمي الأرض والهوية.

يُصور سيدي واساي في المصادر التاريخية كأحد أركان “رباط ماسة”، ذلك الثغر الذي نال شهرة عالمية في العصرين المرابطي والموحدي. لم يكن واساي مجرد متصوف معتزل، بل كان “مرابطا وظيفيا”؛ اختار السكنى في “أغبالو” عند مصب وادي ماسة، في موقع استراتيجي يجمع بين هيبة المحيط وسكينة الوادي. كان يمثل نموذج العالم الزاهد الذي يربي المريدين نهارا ويحرس الشواطئ ليلا، ما جعل ضريحه لاحقا يأخذ شكلا معماريا حصينا، بقبة شامخة ومنارة هادية للسفن، وكأنه استمرار لدوره الحي في حماية البلاد.

تكتسب تسمية “واساي” دلالة عميقة في اللسان الأمازيغي (من الكلمة الأمازيغية “يوسي” أي: حمل)، وترتبط في الذاكرة الجمعية بكرامة الدفاع عن المستضعفين؛ حيث تروي الرواية الشفوية أنه “حمل” على عاتقه مهمة صد السفن الاستعمارية، فدعا الله حتى هاج البحر وانقلبت سفن المعتدين.

ويذهب الباحث الحسين بوالزيت في تحليله لهذا التدين الشعبي الملتف حول الضريح إلى أن: “المقدس في التدين الشعبي يشمل – إلى جانب تمثل الإله الواحد – البركة والقداسة «الولاية»، حيث يعد صاحب البركات أحيانا الوسيط لتحقيق الرغبات وأبعاد الشرور خاصة لدى العامة”. وهو ما يفسر تحول سيدي واساي من شخصية تاريخية إلى “قطب علاجي” وملاذ للمستضعفين.

تتجاوز شخصية سيدي واساي حدود الجسد المدفون لتصبح “مؤسسة اجتماعية”؛ فقد ظل ضريحه فضاء للمصالحة ودرء الفتن، وحرمة لا يُخفر ذمامها. ويبرز دور الضريح في منح المتنفس للفئات المهمشة، حيث يؤكد بوالزيت أن حضور الولي هو: “نوع من المشروعية الدينية للموسم أمام سلطة المجتمع والثقافة والوعي، ومقام الولي قاعدة آمنة للمرأة حيث تتحدث طويلا عن همومها وأحزانها وتتوسل إلى الولي لتخليصها من كرب الزمان”.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x