2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. حميدو الديب من “ذئب” الشمال إلى شيخ زاهد
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
في تسعينيات القرن الماضي، كان اسم أحمد بونقوب، الشهير بـ“حميدو الديب”، يتردد في كل زاوية من زوايا طنجة. لم يكن مجرد تاجر مخدرات عابر، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية في آنٍ واحد. في زمن كان فيه الشمال يعيش أوج ما سُمّي بالعصر الذهبي للحشيش، كان “الديب” عنوان المرحلة، حتى قيل يومها: “إذا ذُكرت المخدرات في المغرب، ذُكر حميدو الديب”.
وُلد أحمد بونقوب في بداية الخمسينيات بمنطقة المنار شرق طنجة، ونشأ في بيئة بسيطة قبل أن يشق طريقه في عالم التهريب. بدأ في الثمانينيات ناقلاً للشحنات بين مناطق زراعة القنب في الريف وكتامة وبين سواحل الشمال، قبل أن يتحول إلى تاجر جملة يدير شحنات ضخمة نحو أوروبا، خصوصاً إسبانيا. لم يكن مقامراً مبتدئاً، بل كان يدير شبكة معقدة، تمر عبر طرق برية تعج بنقط المراقبة، ثم إلى السواحل حيث تنتظر الزوارق السريعة، وصولاً إلى الضفة الأخرى. في عالم كهذا، لم يكن ممكناً أن تسير الأمور بالصدفة، بل عبر “شراء الطريق” كما كان يُقال: رشىً وعمولات من القاعدة إلى القمة، لضمان مرور الشحنات بسلاسة.

بين بابلو إسكوبار و”حملة التطهير”
بلغ نفوذ الديب ذروته عندما نسج علاقات مع أسماء وازنة في عالم الجريمة المنظمة. وتذكر روايات متداولة أن زعيم الكوكايين الكولومبي بابلو إسكوبار زار طنجة سنة 1987، وأن لقاءات جمعته بعدد من كبار مهربي الشمال، من بينهم حميدو الديب، لبحث تحويل المغرب إلى نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا. بل إن فيلا فاخرة في حي مرشان، قرب القصر الملكي، ارتبط اسمها بتلك المرحلة الصاخبة.
غير أن صورة الديب لم تكن سوداء بالكامل في أعين سكان طنجة. فقد عُرف بسخائه الواسع؛ كان يمول ملاعب وأندية ومساجد ومساحات خضراء، وساهم في تأهيل “رياض تطوان” الذي اعتُبر قلب المدينة النابض لسنوات. كل يوم جمعة، بعد الصلاة في مسجد السوريين، كان العشرات يصطفون لتحيته، فيمنح كل واحد منهم مئة درهم. وفي عيد الأضحى، كانت أضاحٍ توزع على الأسر المعوزة باسمه. بالنسبة لكثيرين، كان أشبه بـ“روبن هود الشمال”، يأخذ من تجارة محرّمة ليعيد توزيع جزء من عائداتها على الفقراء.
لكن سنة 1996 كانت نقطة التحول. بعد تقارير دولية انتقدت تفشي الفساد وتواطؤ بعض الأجهزة مع المهربين، ومع حديث الملك الراحل الحسن الثاني عن “السكتة القلبية” التي تهدد البلاد، انطلقت حملة اعتقالات واسعة عُرفت بـ“حملة التطهير” بقيادة وزير الداخلية القوي آنذاك إدريس البصري. بدأت الحملة بمسؤولين منتخبين ورجال أعمال، ثم امتدت إلى كبار مهربي المخدرات، وكان حميدو الديب أبرزهم في الشمال.
غير أن مرحلة الصعود لم تدم طويلاً؛ فمع سنة 1996، وفي سياق حملة الاعتقالات الواسعة التي استهدفت عدداً من المنتخبين ورجال الأعمال وكبار مهربي المخدرات، وُضع حميدو الديب ضمن لائحة المطلوبين. وسرعان ما تم توقيفه وتقديمه إلى العدالة، حيث صدر في حقه حكم بالسجن عشر سنوات بتهم تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات، مع مصادرة جزء من ممتلكاته، قبل أن يستفيد لاحقاً من عفو ملكي سنة 2003.

من سلطان الشمال إلى رجل المسجد
خروجه من السجن لم يكن عودة إلى الواجهة، بل بداية انسحاب هادئ. الرجل الذي كانت الأعين تلاحقه حيثما حلّ، صار يتمشى في شوارع طنجة بهدوء، يرد التحية على من يعرفه، بينما يمرّ به الجيل الجديد دون أن يدرك أنه كان يوماً أحد أكثر الأسماء إثارة في المغرب. لم يعد سلطان السواحل ولا ممول المشاريع، بل رجلاً بسيطاً يلازم بيته والمسجد القريب منه، حيث يواظب على قراءة الحزب.
ومع مرور السنوات، ظلّ بعض أبناء المدينة يستحضرون أعماله الخيرية، من دعمه لمرافق رياضية ومبادرات اجتماعية، إلى مساعداته للأسر المعوزة في المناسبات الدينية. وقد بدا في الآونة الأخيرة أكثر ميلاً إلى الأجواء الروحية، حيث كان آخر ظهور له قبل أسابيع خلال جلسة ذكر، جلس فيها إلى جانب شريف الزاوية العجيبية، في مشهد عكس تحوّلاً لافتاً في مسار رجل ارتبط اسمه طويلاً بعالم الظل.
ذلك الظهور الروحي اعتبره كثيرون دليلاً على مرحلة جديدة اختار فيها العزلة والسكينة بدل الصخب والنفوذ. وبين ماضٍ مثقل بالجدل وحاضر يميل إلى الزهد، طوى “الديب” سنواته الأخيرة بعيداً عن الأضواء، تاركاً وراءه سيرة تختلط فيها القوة بالتوبة، والسطوة بالهدوء.
حميدو الديب طبعا لم يكن ملاكاً، ولم يكن أيضاً مجرد مجرم تقليدي. كان نتاج مرحلة كاملة، اختلطت فيها السلطة بالمال، والظل بالضوء، والخير بالشر. قصته تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة: كيف يمكن لرجل أمي أن يدير إمبراطورية مالية معقدة؟ كيف يصبح مطلوباً ثم حليفاً غير معلن؟ وكيف يتحول من “ذئب الشمال” إلى شيخ هادئ في المسجد؟
ربما أدرك في سنواته الأخيرة حقيقة بسيطة: أن النفوذ عابر، وأن المال ظلٌّ زائل، وأن كل بداية مهما بلغت قوتها، لا بد أن تنتهي. وبين الأسطورة والواقع، يبقى حميدو الديب واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ طنجة الحديث.