2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، قد تتبدل الحكومات وتتغير التحالفات، لكن بعض الأسماء تظل حاضرة، حيث يلتقي التاريخ بالنفوذ، وحيث تبني العائلات إرثها عبر أجيال.
وفي هذه الحلقة من سلسلة “عائلات المغرب”، نسلط الضوء على عائلة الشعبي، الاسم الذي صار مرادفًا للنجاح العصامي، للنفوذ الاقتصادي، وللحضور المتميز في المشهد الاقتصادي والسياسي الوطني.
تعود قصة عائلة الشعبي، وفق تحقيق نشرته مجلة جون أفريك سنة 2014، إلى ميلود الشعبي، الراعي الذي “تحوّل بفعل عزيمته وجهده إلى ملياردير عصامي”.
وُلد ميلود سنة 1930 في قرية “شعبة” قرب الصويرة من أسرة فقيرة كانت تكافح لإطعام أطفالها، وكان يمكن أن يبقى في قريته لولا حادثة أكل ذئب إحدى نعاجه، ما دفعه للهرب والتنقل بين القرى قبل أن يستقر في القنيطرة، المدينة التي ستفتح له أبواب الثراء وفق جون أفريك (2014).
هناك، حيث كانت قاعدة عسكرية أمريكية بعد إنزال 1945، بدأ ميلود الشعبي مساره في البناء، فأسس أول شركة له في سن الثامنة عشرة، لتصبح لاحقًا نواة “الشعبي للسكن”، إحدى كبريات شركات البناء في المغرب.
ومع مرور 65 عامًا، نوّع أنشطته من العقار والأشغال العمومية إلى الصناعة والتوزيع والخدمات، لتوظف مجموعته اليوم نحو 20 ألف شخص ضمن نحو 15 فرعًا (جون أفريك، 2014).
إمبراطورية عائلية تحافظ على تقاليدها
تدار أعمال المجموعة من مقرها في شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، بينما تُحسم القرارات الاستراتيجية في “المكتب العائلي” بالرباط، حيث كان يجتمع الأبناء تحت إشراف ميلود الشعبي نفسه قبل أن يغادر الحياة سنة 2016.
ومن الملاحظ أن المناصب الإدارية العليا تُمنح للمديرين المحترفين، فيما كان يقتصر دور الأبناء على الإدارة تحت رئاسة الراحل والدهم، في نظام يحافظ على التوازن بين الاحترافية واستمرارية النفوذ العائلي وفق تحقيق جون أفريك.
تتوزع أنشطة المجموعة بين العقار والفندقة، الصناعة والأشغال العمومية، التوزيع والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، مع إيلاء اهتمام خاص للتوسع خارج المغرب، إذ استثمرت المجموعة منذ السبعينيات في ليبيا، مصر، تونس، السنغال، مالي، موريتانيا وكوت ديفوار.
قيم محافظة
تتميز عائلة الشعبي بممارسة رأسمالية “حلال”، إذ لا تُقدَّم الخمور في فنادقها أو تُباع في متاجرها، وتغلق أبوابها أيام الجمعة لأداء صلاة الجمعة، وتشارك في أعمال خيرية كثيرة، غالبًا بشكل سري، وفق جون أفريك، ما يعكس انسجام العائلة مع المجتمع المغربي وتقاليده.
الأبناء في الواجهة
ترك ميلود الشعبي إرثه لأبنائه، الذين أصبحوا اليوم يقودون إمبراطوريته. فوزي الشعبي يشرف على سلسلة “أسواق السلام”، بينما أسماء الشعبي أسست فرع المنتدى الدولي للنساء في المغرب، وأصبحت أول امرأة مغربية تنتخب عمدة لمدينة الصويرة.
أما عمر الشعبي، الأصغر، فيشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي ويعتبر مهندس الصورة الإعلامية للمجموعة منذ التحاقه بها سنة 2000.
استمرار الريادة في الطاقة المتجددة
ولا يقتصر نشاط عائلة الشعبي على المغرب فقط، فقد دخلت المجموعة بقوة في قطاع الطاقات المتجددة، وفق ما أوردت La Vie Eco سنة 2025، حيث أطلقت مشروعًا لمحطة رياح بقدرة 100 ميغاواط بالعيون بالتعاون مع الشركة الإماراتية AMEA Power، بهدف تزويد جميع فروع المجموعة بالكهرباء الخضراء وتفادي انبعاث أكثر من 330 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، مع التأكيد على مساهمة المشروع في دعم أهداف المغرب في خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق التنمية المستدامة (La Vie Eco، 2025).
إرث مستمر
اليوم، حين نذكر عائلة الشعبي، لا نتحدث فقط عن ثروة أو نفوذ اقتصادي، بل عن إرث عائلي متواصل يمزج بين العصامية، الاحترافية، القيم التقليدية، والالتزام الاجتماعي والبيئي.
تعد عائلة الراحل الشعبي من أبرز العائلات التي زاوجت بين المال والسياسة في المغرب، حيث أسس الملياردير ميلود الشعبي حضورًا سياسيًا إلى جانب إمبراطوريته الاقتصادية (إينا هولدينغ)، ومثل في البرلمان، وأسس “حزب البيئة والتنمية” عام 2002.
برزت العائلة في الانتخابات (الرباط والقنيطرة)، وشغلت ابنته أسماء منصب أول عمدة مدينة في المغرب، في الصويرة.
ومع صعود حزب العدالة والتنمية لرئاسة الحكومة، قدم ميلود الشعبي دعمًا صريحًا لتجربة عبد الإله بنكيران، ورغم ترشحه كمستقل في القنيطرة، قاد فريق “المستقبل” البرلماني، الذي كان يُعتبر الحليف غير الرسمي الأقوى للحزب داخل القبة.
واستمر فوزي الشعبي في هذا النهج، حيث كان يُنظر إليه كبرلماني مقرب من مواقف حزب “المصباح”، خاصة في انتقاد الريع ومهاجمة الخصوم السياسيين المشتركين مثل حزب الأصالة والمعاصرة في بداياته.
ورغم موقف الاب، كان للابناء رأي اخر، فقد اختار فوزي وأسماء الشعبي تمثيل حز بالاصالة والمعاصرة بعد ان وجدوا فيه منصة ملائمة لمواصلة نفوذهم السياسي.
اسم “الشعبي” صار علامة للثقة، للتخطيط الاستراتيجي، ولقدرة العائلة على تحويل المبادئ والقيم إلى حضور مؤثر عبر الزمن، مع استمرار الأبناء في قيادة إمبراطورية تواكب تطورات العصر وتبقى وفية لروح مؤسسها ميلود الشعبي (جون أفريك، 2016).
وفي الحلقة المقبلة، سنقترب من عائلة أخرى لنعيد السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يصنع النفوذ الثروة… أم تصنع الثروة النفوذ؟