2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. شريف بين الويدان: من رعي الأغنام إلى عرش إمبراطورية الظل
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
في الشمال المغربي ومدينة طنجة، حيث تبدو القرى هادئة والبحر ساكناً في ظاهره، كانت تتحرك لسنوات شبكة معقدة صنعت ثروة هائلة في صمت، ونسجت علاقات امتدت من الجبال المعزولة إلى مراكز القرار. اسم محمد الخراز، المعروف بلقب “شريف بين الويدان”، لم يكن مجرد عنوان في ملف قضائي، بل قصة صعود سريع من الهامش إلى قلب النفوذ، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة في تاريخ محاربة المخدرات بالمنطقة.
تشكّل البدايات في صمت الجبال
في أقصى الشمال المغربي، حيث تلتقي الجبال الوعرة بزرقة البحر، وُلد سنة 1959 محمد الخراز في قرية الدالية القريبة من القصر الصغير ضواحي طنجة. لم تكن الدالية سوى تجمع سكاني بسيط يعيش على هامش التنمية، بلا بنية تحتية حقيقية، ولا فرص واضحة للصعود الاجتماعي. هناك، وسط الفقر والعزلة، تشكلت شخصية الشاب الذي سيُعرف لاحقاً بلقب “شريف بين الويدان”. لقب استمده من جدته الملقبة بـ“الشريفة”، والذي تحول مع السنوات إلى علامة مسجلة في عالم التهريب والمخدرات.
لم يعرف محمد الخراز مقاعد الدراسة، ولم يتعلم القراءة والكتابة، لكنه تعلّم مبكراً حسابات الربح والخسارة في بيئة كان التهريب فيها أقرب إلى اقتصاد موازٍ منه إلى نشاط عابر. في شبابه، اشتغل برعي ماشية العائلة، غير أن طموحه تجاوز حدود القرية سريعاً. مع بلوغه العشرين، انخرط في شبكات تهريب السلع بين سبتة ومليلية، مستفيداً من الحركة التجارية غير النظامية التي كانت تغذي أسواق الفنيدق وتطوان.

ذلك النشاط بدا له سهلاً ومربحاً، قليل المخاطر مقارنة بعوائده. سنوات قليلة كانت كافية ليجمع رأس مال أولي مكّنه من توسيع علاقاته، قبل أن ينتقل في نهاية الثمانينيات إلى منطقة عند مدخل القصر الصغير، حيث شيّد مسكناً يطل على البحر. هناك بدأ التحول الحقيقي. لم يعد مجرد مهرّب سلع استهلاكية، بل دخل تدريجياً إلى عالم المخدرات، المجال الأكثر ربحاً والأكثر خطورة في آن واحد.
في تلك المرحلة، تعرّف على شبكات بارزة في الشمال، من بينها دوائر قريبة من اسم حميدو الديب، الذي كان أحد الوجوه النافذة في طنجة خلال التسعينيات. تعلّم منه ومن غيره تفاصيل المسالك البحرية، وتقنيات التخزين، وأساليب تفادي المراقبة. لم يكن في البداية سوى وسيط ينقل الرسائل ويرتب اللقاءات، لكنه كان يراقب جيداً ويتعلم بسرعة.
شيئاً فشيئاً، بنى “شريف بين الويدان” شبكته الخاصة، معتمداً على أفراد عائلته ومقربين منه. أخوه مصطفى صار ذراعه الأيمن، ومسؤولاً عن تنسيق عمليات النقل والتخزين. الزوارق السريعة و”الزودياكات” خُبئت في كهوف ومخابئ طبيعية بين الجبال والسواحل. من الدالية إلى قرية بنيونش، ومن القصر الصغير إلى طنجة، كانت الشبكة تمتد بهدوء، كخيوط عنكبوت يصعب رؤيتها من بعيد.
المفارقة أن الرجل الذي كان يدير عمليات معقدة، ظل في نظر كثيرين داخل قريته فاعل خير. بنى مساجد، ساهم في تشييد منازل، وقدّم مساعدات مالية لأسر معوزة. بالنسبة للسكان، كان سخاؤه واقعاً ملموساً، أما الاتهامات فبقيت بالنسبة لهم شأناً بعيداً. لذلك، عندما يُذكر اسمه، يسود الصمت. لا أحد يريد الحديث، لا أحد يريد المواجهة.
إمبراطورية النفوذ.. السقوط الذي كشف الشبكة
منتصف التسعينيات شهد أول احتكاك مباشر له مع قبضة الدولة. سنة 1996، وفي سياق حملة أمنية واسعة استهدفت شبكات المخدرات تحت ضغط داخلي ودولي، تم توقيف محمد الخراز بمدينة تطوان. صدر في حقه حكم بسنتين سجناً، عقوبة بدت للكثيرين خفيفة مقارنة بحجم الشبهات المحيطة به. خرج سنة 1997، ليبدأ الفصل الأكثر بذخاً في مسيرته.
بعد الإفراج عنه، بدا وكأنه اللاعب الأبرز في سوق المخدرات بالشمال. توسعت عملياته، وتعاظمت أرباحه، حتى قُدّرت ثروته بمئات المليارات من الدراهم داخل المغرب وخارجه، حسب ما تداوله محققون وصحافيون آنذاك. لم يكن يعتمد فقط على القوة، بل على شبكة علاقات معقدة. شيكات تُمنح كـ“قروض” لا تُسترجع، هدايا، امتيازات، ومجاملات جعلت كثيرين يغضون الطرف.
بلغ نفوذه حدّاً جعله يمول مشاريع عمومية حساسة، من بينها إعادة تهيئة مرافق أمنية في طنجة، دون أن تُفتح تحقيقات فورية حول مصادر الأموال. كان يتحرك بثقة، وكأن الحماية التي نسجها حول نفسه كافية لردع أي مساءلة. غير أن تلك الثقة كانت تخفي هشاشة بنيوية؛ فالإمبراطوريات التي تُبنى في الظل، غالباً ما تسقط دفعة واحدة.

صباح 25 غشت 2006 كان مختلفاً. في مقهى مطل على البحر، كان “شريف بين الويدان” يتناول فطوره رفقة حارسه الشخصي، بعد أن أشرف – بحسب روايات متقاطعة – على إرسال شحنة جديدة نحو الضفة الأوروبية. عند العاشرة تقريباً، طوقت عناصر أمنية بلباس مدني المكان، وأغلقت المنافذ. لم يُبدِ مقاومة تُذكر، بينما تمت السيطرة على مرافقيه. دقائق معدودة أنهت سنوات من السيطرة المطلقة.
نُقل أولاً إلى تطوان، ثم إلى الرباط والدار البيضاء لتعميق التحقيق. هناك بدأت خيوط الشبكة تتكشف. خمسة هواتف محمولة، لوائح أرقام، ألبومات صور، سيارات رباعية الدفع، زوارق، مبالغ مالية وأجهزة اتصال. التحقيقات طالت مسؤولين وأعوان سلطة، وأفضت إلى اعتقالات وإعفاءات، بينما فرّ بعض المقربين إلى الخارج، خصوصاً نحو إسبانيا.
ومع ذلك، لم يتوقف تدفق الحشيش نحو أوروبا. فالتقارير الدولية قدّرت عائدات القنب المغربي في السوق الأوروبية آنداك بنحو 12 مليار دولار سنوياً، ما يعادل أكثر من 100 مليار درهم. رقم ضخم يوضح أن سقوط بارون واحد لا يكفي لوقف المنظومة.
هكذا انتهت أسطورة “شريف بين الويدان” كرجل يمسك بكل الخيوط، لكنها كشفت في المقابل شبكة أعقد من أن تختزل في اسم واحد. من راعٍ بسيط في الدالية إلى إمبراطور ظلٍّ ينسج علاقاته في المكاتب والمرافئ، كانت رحلته انعكاساً لمرحلة كاملة عاشها شمال المغرب. مرحلة امتزج فيها المال بالنفوذ، والصمت بالخوف، والبحر بأسرار لا تزال كثير من تفاصيلها طي الكتمان.