2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
إسماعيل الحلوتي
خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ تنصيب حكومة عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، والحديث بين الناس يكاد لا يتوقف عما تشهده بلادنا من غلاء الأسعار وتزايد نسب الفقر والبطالة والهدر المدرسي واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية. والأكثر من ذلك، تفاقم معضلة الفساد في أوساط المنتخبين من جل الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة على حد سواء؛ سواء تعلق الأمر برؤساء مجالس جماعات ترابية، أو برلمانيين ومستشارين، حيث هناك من تم عزلهم، وهناك من تمت محاكمتهم، وهناك من مازالت ملفاتهم معروضة على أنظار المحاكم بمختلف المدن المغربية بسبب شبهات فساد.
فمباشرة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات شتنبر 2021 وتشكيل الحكومة وباقي المؤسسات، ورؤوس عدد من المنتخبين تتساقط توالياً كأوراق الخريف؛ بسبب صدور قرارات العزل من طرف القضاء الإداري لضلوعهم في اختلالات إدارية ومالية. إذ إن جل التهم المنسوبة إليهم تتعلق بتجاوزات ذات طابع جنائي، تهم تبديد واختلاس أموال عمومية، بعد أن أظهرت تقارير التفتيش الصادرة عن المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الأعلى للحسابات أن معظم الجماعات تعرف اختلالات خطيرة في التسيير، سواء على المستوى الإداري أو المالي. لذا أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً على قادة الأحزاب السياسية هو: ما مدى مصداقية التزكيات الانتخابية التي تمنح للبعض دون غيرهم من أجل تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام؟
والتزكية للترشح في الاستحقاقات الانتخابية هي في تقديرنا، وحسب ما هو متداول بين الناس بعيداً عن المعنى اللغوي والاصطلاحي، يفترض أن تكون بمثابة شهادة “حسن سيرة وسلوك” تمنحها الأحزاب السياسية بشكل ديمقراطي عبر لجان خاصة تتشكل لهذا الغرض من المناضلين ذوي الكفاءة الذين تراهم الأحق بتمثيل الحزب، والقادرين على القيام بواجبهم الدستوري في الارتقاء بأوضاع البلاد والعباد عن جدارة واستحقاق، فضلاً عن التحلي بروح المواطنة الصادقة والقيم النبيلة مثل الصدق والأمانة والنزاهة.
فكلما اقترب حلول موسم الاستحقاقات الانتخابية، إلا ويشتعل النقاش بقوة داخل الأحزاب السياسية عن تلك الشهادة المعنوية المسماة “تزكية”، حيث ترتفع حرارة الجدل أثناء الشروع في إعداد لوائح المرشحين وترتيبهم حسب درجات “الاستحقاق” لدى قادة الأحزاب. غير أنه كثيراً ما لا تُحترم مبادئ الديمقراطية في تحديد معايير “التزكية”، التي غالباً ما لا تخضع -للأسف الشديد- سوى لمعيارين اثنين: فئة المحظوظين من الموالين والمقربين، والأعيان “أصحاب الشكارة” حتى وإن كانوا من غير المنتمين للحزب، في تغييب واضح للكفاءات الحزبية والمناضلين الحقيقيين؛ حيث إن ما يهم صاحب القرار في الحزب بالدرجة الأولى ليس مصالح المواطنين ومن هو الأنسب لخدمتهم، بل الحصول على أكبر عدد من المقاعد واحتلال الرتب المتقدمة بما يخدم المصالح الشخصية والحزبية الضيقة.
إذ طالما تعالت أصوات قيادات حزبية تستنكر ما يجري داخل أحزابها من تلاعب واتجار في التزكيات دون أن يتبع ذلك أي تحقيق قضائي؛ حيث يتم استبعاد المناضلين الحقيقيين وترجيح كفة أفراد العائلة والأصدقاء والأعيان من الوجهاء دون أن تتوفر فيهم الكفاءة والقدرة على التدبير الجيد، باعتبارهم القوة الانتخابية الأوفر حظاً في الفوز من حيث القدرة على تمويل الحملة الانتخابية واستقطاب أكبر عدد من الأصوات يوم الاقتراع، رغم ما تحظى به الأحزاب السياسية من دعم عمومي، وما سبق لعاهل البلاد محمد السادس أن قدمه من توجيهات وجيهة في خطبه السامية، ومنها خطابه أمام البرلمان بغرفتيه يوم 14 أكتوبر 2016: “إن التوجه الحقيقي يجب أن يكون نحو الكفاءات، وتحمل المسؤولية بصدق ونزاهة، بعيداً عن منطق الولاءات الضيقة، والبحث عن المصالح الشخصية”.
فما لم يعد باستطاعة المواطنين استيعابه واستساغته، في ظل الجهود المبذولة من طرف السلطات العمومية في اتجاه تصحيح الاختلالات الانتخابية والرفع من معدل المشاركة، هو أن تعود للترشح في الانتخابات المتوالية نفس الوجوه بنفس الممارسات المشينة، في غياب تام لروح المسؤولية والحس الوطني الصادق، مما ساهم ومازال يساهم في العزوف الانتخابي واستمرار شراء الأصوات والذمم. إذ كيف يعقل السكوت عن إقصاء المناضلين الحقيقيين الذين تربوا في أحزابهم وظلوا أوفياء للمبادئ من خلال تشبعهم بالمرجعية الفكرية والأيديولوجية، ويملكون من المؤهلات ما يجعلهم قادرين على تنزيل البرامج والمشاريع باقتدار؟
إن ما يحز في النفس كثيراً هو أن يتواصل إبعاد الأشخاص النزهاء والأكفاء عن الترشح للانتخابات، دون أن تتمكن الإجراءات القانونية الزجرية من التصدي بقوة للسلوك الانتهازي وبعض الممارسات الدنيئة، ومنها الترحال السياسي الذي يلجأ إليه البعض ممن ترفض أحزابهم وضع ثقتها فيهم لخوض سباق الانتخابات تحت لوائها، إلى حد أصبحت فيه حرب التزكيات ترافق العمل الحزبي، معتمدة في ذلك على شبكة العلاقات والنفوذ المالي والترابي، فيما يهمش الشرفاء الذين يظلون خارج “اللعبة”، مما ينعكس سلباً على طبيعة الأداء الرقابي والتشريعي تحت قبة البرلمان بمجلسيه.
وإذا كان من الضروري ضمان الفوز بعدد من المقاعد في مجلس النواب، فلماذا لا يتم المزج بين الكفاءة العلمية وأصحاب المال والأعمال في منح التزكيات، عوض الاعتماد كلياً وبصفة أكبر على السماسرة وتجار الانتخابات الذين يفتقرون إلى أبسط المؤهلات العلمية والرؤية السياسية الواضحة؟
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.