2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
نساء في الواجهة (ح5): رحمة بورقية.. من تفكيك بنيات سلطة الدولة إلى تفكيك المنظومة التعليمية المغربية
نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، مناضلة سياسية نقابية، زوجة زعيم سياسي بارز..).
سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..
وسيكون موضوع حلقة اليوم، الباحثة السوسيولوجية والأكاديمية المثيرة للجدل رحمة بورقية، عبر تسليط الضوء أبرز أعمالها ومشاريعها الفكرية، وصولا لرئاسة مؤسسة رسمية دستورية.
رحمة بورقية.. من التفكيك “المُستقل” لبنيات سلطة الدولة إلى تفكيك “الرسمي” للمنظومة التعليمية
أكاديمية وسوسيولوجية مغربية بارزة، ولدت في الخميسات عام 1949، وكانت أول امرأة تتقلد منصب رئيس جامعة في المغرب، وهي جامعة الحسن الثاني في المحمدية، كما كانت عضوا في اللجنة الملكية التي كلفت بإصلاح مدونة الأسرة.
أكاديمية من الطراز العالي، اشتغلت على دراسة المجتمع المغربي من زاوية سوسيوتاريحية، مركزة على ابعلاقة الجدلية الناظمة بين الدولة والبنيات التقليدية، وعلى التحولات القيمية وكذلك دور التعليم في تشكيل النخب والحراك الاجتماعي.
ترأست بعد مسار أكاديمي طويل وغزير بالإنتاجات الفكرية التي خلقت جدلا واسعا، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، منتقلة بذلك من الدراسة الأكاديمية البحثية “المُستقلة” إلى التقييم والدراسة المؤسساتية الرسمية من قبل مؤسسة دستورية لواقع وآفاق المنظومة التعليمية بكافة أسلاكها.
تمثل اشتغالها الأبرز في علاقة الدولة بالبنيات الاجتماعية التقليدية، عبر الكتاب الذي لقي صدى واسعا وأصبح مرجعا تأسيسيا ليومنا هذا “الدولة والسلطة – دراسة في التابث والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل”، في هذا العمل تحلل كيف تتأسس الشرعية السياسية داخل مجتمع متعدد المرجعيات، وتُظهر أن الدولة الحديثة لم تُلغ البنيات التقليدية بل أعادت توظيفها داخل منطق جديد للسلطة لإنتاج هيمنتها، حيث اعتبر الدولة بناء تاريخي تتقاطع فيه الثقافة والرمز والسلطة.
وواصلت بورقية الجدل بدراسة جديدة مركزة حول التحول الاجتماعي وتأثيراته بالقيم وذلك في مؤلفها “المجتمع المغربي: التحولات والقيم”، حيث تفكك تحولات القيم وأنماط العيش والتراتبية الاجتماعية، وتُعتبر من الدراسات الحديثة التي قدمت تصورا للتحديث بوصفه مسارا تفاوضيا بين التقليد والحداثة، لا انتقالا خطيا أو قطيعة شاملة، وهو طرح ساهم في تجاوز القراءات الاختزالية للتغير الاجتماعي بالمغرب وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة على القيم المجتمعية السائدة وسيرورة تحولها.
وفي سوسيولوجيا التعليم والتربية، يُعد كتاب “التفكير في المدرسة.. تفكير في المجتمع”، أبرز أعمالها التي قاربت المؤسسة التعليمية من منظور مجتمعي، حيث تطرح إشكالية العلاقة بين المدرسة والمجتمع فهذا الأخير ينتظر من المدرسة أن تُشكل قاطرة للتنمية ومرآة تعكس مستويات هذه التنمية، والأسرة تُعلق آمالها على هذه المؤسسة من أجل ضمان تعليم يمكن أبنائها من تحقيق الترقي الاجتماعي، كما أن المقاولات تنتظر من المؤسسة المدرسية أن تمدها بيد عاملة مؤهلة وقادرة على الاندماج في سوق الشغل بطريقة فعالة، ورواد هذه المؤسسة، من تلاميذ وطلبة، يطمحون في أن تزودهم المدرسة بذلك المفتاح السحري” الذي يسمح لهم بالولوج إلى عالم الكبار، فيما أمام هذه الوضعية تعلن المدرسة محدوديتها، وعدم قدرتها على تحقيق هذه الانتظارات المتناقضة في الغالب.
بصورة عامة، تتمثل أبرز إضافات رحمة بورقية في ترسيخ السوسيولوجيا التاريخية لفهم المجتمع المغربي، وفي ربط تحليل تطور وبناء الدولة بالتحولات الثقافية والاجتماعية، وفي تقديم قراءة مركبة للتحديث بوصفه عملية تداخل لا استبدال، كما أسهمت في نقل البحث السوسيولوجي من الوصف الظاهري للظواهر إلى تحليل آليات إنتاجها داخل البنيات الاجتماعية والثقافية السائدة.


