2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
صبري الحو*
يتضارب التحليل بشأن حقيقة مواقف أطراف نزاع الصحراء في واشنطن، وتفسير “التطمينات” بخصوص نجاح المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة “مايكل والتز” والمبعوث الشخصي للأمين العام “ستيفان دي ميستورا” في تسجيل تقدم طفيف في مضمون المحادثات والمفاوضات؛ وهو ما أشار إليه المتحدث الرسمي باسم الأمم المتحدة “ستيفان دوجاريك” حين تحدث عن “الاهتداء إلى حلول وسطى” لتحقيق هذا التوافق.
ورغم التحفظ والتكتم الشديدين والسرية المطبقة على المفاوضات، فإن مضمون التعقيدات والصعوبات الراهنة لا يمكن إرجاعه إلى التناقض المبدئي بين مواقف الأطراف التقليدية (الحكم الذاتي المغربي مقابل الاستفتاء الجزائري) كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة؛ وذلك لعدة أسباب جوهرية:
أولاً: لكون موضوع المباحثات والمفاوضات الحالية ينصبُّ على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797.
ثانياً: لأن القرار المذكور يعتمد “الحكم الذاتي” قاعدة للمفاوضات، وفي الوقت ذاته تجاوز آلية “الاستفتاء” وأسقطها من حساباته.
ثالثاً: لأن قرارات مجلس الأمن منذ عام 2024 ربطت الحق في “تقرير المصير” في نزاع الصحراء بدور ومسؤولية الأطراف كاملة (المغرب، الجزائر، موريتانيا) في الحفاظ على الأمن والاستقرار، كشرطين أساسيين لتحقيق التنمية وعلاقتهما بركن الواقعية.
رابعاً: لكون لوائح وقرارات مجلس الأمن الأخيرة استبعدت ونفت أي علاقة بين “حق تقرير المصير” وآلية التعبير عنه عبر “الاستفتاء”، حيث انتقل تقرير المصير من مفهوم “الحق الفردي والشخصي” إلى “حق جماعي” لكيانات الدول في إطار الأدوار والمسؤوليات المنسجمة مع أهداف ميثاق الأمم المتحدة.
خامساً: لكون موضوع الخلاف والتباعد الحالي تفتعله الجزائر في محاولة للالتفاف على “السيادة المغربية” كمبدأ عام وأولي، والسعي لإفراغها من أي مضمون حقيقي.
سادساً: تهدف هذه المحاولات الجزائرية إلى خلق “كيان محلي” يتناقض مع هذه السيادة، من خلال الدفع نحو تمتيعه باستقلالية مطلقة، بجعل المؤسسات والأجهزة المحلية بعيدة عن تدخل أو مراقبة أو وصاية السلطة المركزية.
سابعاً: تعدُّ هذه الدفوعات غير مقبولة؛ لكون “الحكم الذاتي” في حد ذاته يمثل حلاً وسطاً وتنازلاً من طرف المغرب بين خياري “الوحدة الاندماجية المطلقة” و”الاستقلال” الذي تطالب به الجزائر والبوليساريو.
ثامناً: إن محاولات الجزائر هذه تعتبر، من حيث تدري أو لا تدري، دخولاً في مناقشات ومفاوضات عملياتية حول “تنفيذ” الحكم الذاتي المغربي، وهو ما يفسر إصرارها وتذرعها الدائم بكونها مجرد “طرف مراقب”.
بناءً على ما سبق، يمكن الخروج باستنتاج أكيد مفاده أن المباحثات في واشنطن قد تجاوزت الإطار القانوني والسياسي العام، لتنتقل إلى “الجوهر” والتفاصيل التقنية الدقيقة حول مقترح الحكم الذاتي: شكله، مداه، وآليات تنفيذه.
*محامي بهيئة مكناسخبير في القانون الدولي وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء