لماذا وإلى أين ؟

خبير اقتصادي يفكك معنى ودلالات الارتفاع التاريجي لاحتياطي العملة الصعبة

سجل احتياطي المغرب من العملة الصعبة مستوى تاريخيا جديدا مع نهاية فبراير الجاري، بعدما بلغ 454 مليار درهم، ما يعادل تغطية تفوق خمسة أشهر من واردات السلع والخدمات، وفق آخر معطيات بنك المغرب.

ويعكس هذا التطور منحى تصاعديا مستمرا منذ سنوات، إذ لم يكن الرصيد يتجاوز 180 مليار درهم سنة 2010، في مؤشر على تحسن موقع المملكة ضمن التوازنات المالية الخارجية.

ويستند هذا الأداء إلى دينامية متشابكة تغذيها تحويلات مغاربة العالم، وعائدات السياحة، وتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى جانب توسع القاعدة الصناعية في قطاعات السيارات والطيران والفوسفاط والطاقات الجديدة.

غير أن قراءة الأرقام، بحسب خبراء، لا ينبغي أن تقتصر على الحجم فقط، بل تمتد إلى طبيعة التحول البنيوي الذي يعكسه هذا المستوى من الاحتياطي.

في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن “بلوغ الاحتياطي 454 مليار درهم لا يعني فقط القدرة على تغطية أكثر من 5 أشهر من الواردات، بل يعني انتقال المغرب من منطق إدارة العملة بشكل تقليدي إلى منطق إدارة القوة المالية”، مشددا على أن “الاحتياطي لم يعد مجرد صمام أمان، بل أصبح أصلا سياديا استراتيجيا يعزز قدرة الدولة على المناورة النقدية والمالية”.

ويرى سامي، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن ما يهم “ليس الحجم فقط، بل نوعية التدفقات”، موضحا أن تحويلات مغاربة العالم تمثل “تدفقات مستقرة، مضادة للدورات الاقتصادية”، فيما تعد السياحة “مورد سريع التفاعل لكنه حساس للتغيرات للجيوسياسة”، بينما تشكل الاستثمارات الأجنبية المباشرة “موردا نوعيا، مرتبطا بالثقة وبالتموقع الصناعي”. ويخلص إلى أن “هذا المزيج يخلق تنويعا في المخاطر (Risk Diversification) داخل ميزان المدفوعات”.

وبحسب الخبير الاقتصادي الدولي، فإن “المغرب انتقل من اقتصاد هش أمام الصدمات إلى اقتصاد يمتلك هوامش امتصاص ومناورة، ويتجه ليصبح اقتصاد مرن”، مضيفا أن الاحتياطي الحالي “يعكس تحولا بنيويا، إضافة إلى إدارة نقدية محافظة وفعالة، وأخيرا اندماجا ذكيا في الاقتصاد العالمي”، معتبرا أن “القيمة الحقيقية للاحتياطي لن تُقاس بحجمه، بل بقدرته على تمويل المستقبل دون التفريط في الاستقرار”.

وعلى مستوى النسق الصناعي–المالي، يوضح الخبير الاقتصادي أن “القطاعات الجديدة (السيارات، الطيران، الفوسفاط، الطاقات المستقبلية) لا تُنتج فقط صادرات، بل أيضا تُقلص الاستيراد (Import Substitution)، وتُولد سلاسل قيمة محلية، وتُحسن جودة العملة الصعبة”، ما يعني أن “الاحتياطي يتحول إلى مرآة للتحول البنيوي للاقتصاد وليس مجرد نتيجة ظرفية”.

محمد امين سامي

أما في الشق النقدي–المالي، فيشير محمد أمين سامي إلى أن “بنك المغرب استطاع تثبيت الدرهم دون استنزاف الاحتياطي، بالإضافة إلى امتصاص صدمات خارجية (تضخم مستورد، تقلب الدولار)، وأخيرا الحفاظ على مصداقية السياسة النقدية”، وهو ما يترجم، وفق تعبيره، إلى “استقرار نقدي منخفض الكلفة مقارنة بدول صاعدة مماثلة”.

وفي ما يتعلق بالنسق الائتماني–الاستثماري، يبرز سامي أن “ارتفاع الاحتياطي يخفض علاوة المخاطر السيادية”، و”يحسن شروط الاقتراض الخارجي”، و”يساهم في تعزيز جاذبية المغرب كمركز صناعي إقليمي”، معتبرا أن الاحتياطي يعمل كـ “ضمانة غير مكتوبة للمستثمرين”.

ويخلص الخبير إلى أن الاحتياطي من العملة الصعبة يمكن اعتباره “أداة سيادة، في عالم يتجه نحو تسييس سلاسل التوريد واضطراب النظام المالي الدولي”، مشددا على أن “امتلاك احتياطي قوي يعني استقلالية في القرار الاقتصادي، وقدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، والأهم هامش تفاوض أعلى مع الشركاء والمؤسسات الدولية”.

وفي هذا الإطار، يرى سامي أن المغرب يتموضع اليوم كـ “Safe Economic Node  ” يتقدم تدريجيا كمنصة “مستقرة نقديا، متصلة صناعيا، مندمجة تجاريا مع أوروبا وإفريقيا”، معتبرا أن الاحتياطي “يدعم هذا التموضع ويمنحه مصداقية تشغيلية لا خطابية”.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x