لماذا وإلى أين ؟

التوقيت الميسّر أم الجامعة الميسّرة؟

إدريس ماموني

لقد أثار القانون 59.24 نقاشًا كبيرًا في أوساط الجامعات المغربية، أغلبُه، إن لم نقل كلّه، سلبي. وقد جاء جزء كبير من هذا الاستياء نتيجة فرض رسوم تسجيل على الطلبة الموظفين، وهي مبالغ كبيرة جدًا قياسًا إلى القدرة الشرائية، في ظل موجات الغلاء التي تعرفها الأسواق المغربية منذ سنوات، وظاهرة التضخم التي لا نعلم مستواها الحقيقي.

جاء هذا المشروع مع الوزير عز الدين ميداوي، وهو رجل من أبناء المهنة يُشهد له بالكفاءة والخبرة في الميدان، كما شغل سابقًا منصب رئيس جامعة ابن طفيل، قبل أن يُقال من طرف الوزير السابق. ولا يكاد أحد يجادل في كفاءة الرجل، وقد بدا ذلك جليًا في الإصلاحات التي أحدثها في الجامعة التي كان يرأسها. لذلك، قلنا كلمة حق في حقه، واستبشرنا بخبرته خيرًا، وأملنا فيه الشيء الكثير.

غير أن مقولة “الفقيه لي نتسناو بركتو دخل للجامع ببلغتو” قد صدقت في حقه؛ ولولا أنها جاءت بلفظ “الفقيه” بدل “الوزير”، لقلنا إن قائلها يقصد الوزير بدل الفقيه، والجامعة بدل الجامع.

المهم، أن الرجل فرض رسوم التسجيل على الطلبة الموظفين، وهي رسوم لا يبدو أنها تراعي ما تعرفه البلاد من أزمات تعصف بجيوب المغاربة صباح مساء. وقد برّر الوزير ذلك بما سماه “التوقيت الميسّر”. جميل، فكل جامعات العالم تفرض رسوم تسجيل على طلبتها، إلى هنا سمعنا وأطعنا؛ لكن هل تُفرض هذه الرسوم على التوقيت الميسّر فقط؟ الجواب، قطعًا، لا.

إن كبرى الجامعات الغربية تفرض رسومًا مقابل جودة التكوين، وقوة البحث العلمي، وتوفر المختبرات والبنيات التحتية. فماذا يوجد من ذلك عندنا؟ لا شيء.

ما يوجد عندنا، أولًا، هو أساتذة لا علاقة لهم بالبحث العلمي، إلا من رحم ربك؛ قلة قليلة لا تزال تحمل همّ الجامعة والبحث العلمي. ليس الكل، بطبيعة الحال، ولكن السواد الأعظم لا علاقة له بالإنتاج العلمي. نقول هذا حتى لا يُتّهم الحكم بالتعميم. وحتى لا يطمع الذي في قلبه مرض.

السؤال مرة أخرى: هل يمكن تحقيق الإصلاح بأدوات فاسدة؟ قطعًا لا. لذلك، إذا أراد السيد الوزير فرض مصاريف للتسجيل، فعليه أن يسأل نفسه أولًا: كيف يمكن إصلاح هذا الخلل البنيوي، والتعامل مع هذا الكمّ الكبير من الأساتذة الذين لا انتاج علمي لهم، طيلة سنوات العمل في التعليم العالي؟

المشكلة ليست في الموارد البشرية المعطوبة فقط، بل كذلك في بنية مختبرات البحث وتجهيزاتها. ففي الغرب، مثلًا، نجد جامعات لها مكتبات ضخمة، تحتوي على أحدث الكتب الإصدارات، كما يُقال: “كتلقى فيها الكتاب باقي بدمو”. فبمجرد صدور مُؤلف في الصين، تجده متاحًا في الولايات المتحدة.

فهل لدينا مكتبات قادرة على توفير الأبحاث العلمية بهذه السرعة وبسلاسة؟ قطعًا لا. هل للجامعات المغربية اشتراكات في المكتبات الرقمية لكبرى الجامعات العالمية، حتى يتسنى للطالب الباحث الوصول إليها والاستفادة منها؟ قطعًا لا. هل مختبرات البحث مجهزة بحواسيب عالية الجودة تمكّن طالب الفيزياء، مثلًا، من استعمال البرامج المتخصصة التي تتطلب صبيب إنترنت مرتفعًا؟ طبعًا لا.

أضعف الإيمان: هل تتوفر على كراسٍ مريحة؟ الجواب واضح، فيما أعتقد.

إن كان كل هذا غائبًا عن ذهن الوزير وديوانه، ومن صاغ معه مشروع القانون، فيجب أن ندعو لهم بدعاء المسيح: “ربّ اغفر لهم فإنهم لا يعلمون”. أما إن كان الوزير على علم بهذا العطب البنيوي الذي يصيب الجامعة المغربية ويغض الطرف عنه، فتلك حقًا مصيبة، تصدق فيها مقولة شعبية أخرى: “أش خاصك أ العريان؟ الخاتم أ مولاي”.

أقول هذا ليس دفاعًا عن شيء، وإنما نقدًا لمن يعتقد أنه أحسن صنعًا؛ فالنقد في المقرّبين أولى، كما يُقال، أي فيمن هم أبناء الجامعة، ويعرفون جيدًا أعطابها وما آلت إليه بين الأمس واليوم.

لقد كانت الجامعة فيما سبق تزحف نحو المجتمع، أما اليوم فقد أصبح المجتمع، ومعه الشعبوية، يزحفان نحو الجامعة، حتى أضحت، في نظر كثير من الأصدقاء، بمثابة “ليسي” كبير.

نقول هذا، ونأمل أن تكون لنا يومًا جامعة ميسّرة للمعرفة والعلم، لا مجرد فضاء بوقت ميسر. لكن، يا ليت قومي يعلمون..

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x