لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح8): مليكة البلغيثي.. الباحثة التي كشفت أسرار المرأة القروية

سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، عميدة الباحثات السوسيولوجيات، مليكة البلغيثي، الباحثة المثيرة للجدل حول أبحاثها في العلاقة الناظمة بين اضطهاد المرأة القروية وبين استدامة النظام البدوي.

مليكة البلغيثي.. الباحثة التي كشفت أسرار المرأة القروية

مليكة البلغيثي من السوسيولوجيات المغربيات اللائي اشتغلن مبكرا على وضعية المرأة، وغاصت في أعماق واقع المرأة القريوية.

في عمق القرية، حيث تبدو الحياة بسيطة على السطح، تكشف دراسات الباحثة مليكة البلغيثي عن عالم اجتماعي شديد التعقيد تحكمه قواعد غير مكتوبة، لكنها قوية التأثير في حياة النساء، أنجزت دراسات معمقة حول نساء “اجبالة”، وحول نساء “تاساوت”، بناء على عمل ميداني امتد لأشهر ومقابلات مباشرة مع نساء من الوسط القروي، حيث لم تكتفي بوصف الواقع، بل تشرح كيف يُبنى هذا الواقع وكيف يستمر.

توضح الباحثة أن الزواج في القرية ليس مجرد علاقة شخصية، بل خطوة تدخل المرأة في نظام عائلي واسع يحدد دورها ومكانتها منذ البداية. كثير من النساء يتزوجن في سن مبكرة، وهو ما يجعل مسار حياتهن مرتبطاً بسرعة بالأسرة والإنجاب، قبل أن تتاح لهن فرصة اختيار مسار مختلف.

وتكشف دراسات البلغيثي أن الأمومة تمثل محور تقييم المرأة داخل الأسرة. فمكانتها ترتفع بقدرتها على الإنجاب، خصوصاً إنجاب الذكور، بينما يتحول تأخر الإنجاب إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي قد يهدد استقرارها الأسري. بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الإنجاب كمسألة شخصية، بل كعنصر أساسي في توازن العائلة ومكانتها داخل المجتمع.

كما تتوقف الباحثة عند ظاهرة تعدد الزوجات، وتشرحها كجزء من منطق اجتماعي يسعى إلى الحفاظ على استمرارية النسب وتعزيز مكانة الرجل داخل محيطه. فالتعدد لا يظهر فقط كخيار فردي، بل كآلية تعكس طبيعة النظام الأسري نفسه.

وتسلط البلغيثي الضوء أيضاً على العلاقات داخل البيت، حيث تعيش الزوجة غالباً تحت سلطة مزدوجة: سلطة الزوج وسلطة الحماة. هذا الوضع يخلق توترات خفية، لكنه في الوقت نفسه يعكس كيفية تنظيم السلطة داخل الأسرة القروية.

ورغم أن المرأة تشارك في العمل اليومي داخل البيت وخارجه، فإن هذا الجهد الكبير لا يقابله دائما اعتراف اجتماعي مكافئ. وتبيّن الباحثة أن أشكال الضغط التي تواجهها النساء لا تكون دائماً مباشرة، بل قد تظهر في صورة تقييد للحركة أو عزلة اجتماعية أو فرض أدوار محددة بدقة.

أما العقاب الذي تتعرض له المرأة فيأخذ أشكالا متعددة، من العنف الجسدي إلى العنف الرمزي، مثل العزل الاجتماعي أو الحرمان من زيارة أهلها أو تقييد حركتها، وتربط الباحثة هذه الممارسات بمنطق الضبط الاجتماعي الذي يسعى إلى الحفاظ على تماسك البنية القرابية وضمان استمرار علاقات الهيمنة داخل المجتمع القروي.

الأهمية الكبيرة للبلغيثي لا تكمن فقط في عرض معاناة النساء، بل في تقديم فهم عميق للبنية الاجتماعية التي تنتج هذه الأوضاع. فالمرأة القروية، كما تظهرها الدراسة، ليست مجرد فرد داخل الأسرة، بل عنصر أساسي في نظام اجتماعي كامل، يكشف تحليل موقعها عن طبيعة العلاقات والسلطة داخل المجتمع القروي برمته.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x