لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (9): “آل العلمي”؛ حين يتحول النسب إلى رأسمال رمزي

في المغرب، قد تصنع الانتخابات الأغلبية، وقد ترسم التعيينات خريطة النفوذ، لكن بعض الألقاب تسبق الدولة نفسها في الوجود.

في الحلقة التاسعة من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة العلمي، أسرة شريفة عريقة من الأشراف الأدارسة الحسنيين، ينتسبون إلى الحسن السبط بن علي وفاطمة الزهراء، ويتصل نسبهم بالقطب الزاهد مولاي عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم في شمال المملكة.

هنا، لا يتعلق الأمر فقط بلقب عائلي، بل بسلسلة نسب تمتد قرونا إلى الوراء، وتؤسس لمكانة رمزية داخل المجتمع المغربي.

تنحدر العائلة من جبل العلم، بالقرب من تطوان، حيث ضريح جدهم الأكبر عبد السلام بن مشيش. ويقال إن الاسم نفسه يحمل دلالته: إما نسبة إلى “العلم” بمعنى سيد القوم، أو إلى الجبل الذي احتضن الذاكرة الأولى للأسرة.

من فاس إلى تطوان وشفشاون ووزان، وصولا إلى الرباط والدار البيضاء، انتشرت فروع العلمي، محافظة على حضورها في الحقل الديني والعلمي، ومغذية لجامعة القرويين وغيرها من المؤسسات برجال علم وفقه وأطباء وقضاة.

وتشير مصادر متعددة، من بينها “مصادر الشرفاء بالمغرب” لمحمد بنعزيز، إلى إصرار الأسر الشريفة، وبينها العلمية، على توثيق أصلها النبوي، باعتباره جزءا من الشرعية الرمزية داخل المجتمع.

وتوثق دراسات “الأصول التاريخية بالمشرق لآل البيت بالمغرب” الصادرة عن مؤسسة عبد الهادي التازي أنساب الشرفاء العلميين، من بني محمد بن إدريس وموسى بن مشيش.

في هذا السياق، لا يبدو النسب مجرد حكاية ماضية، بل رأسمالا معنويا يعاد استثماره عبر الأجيال.

تفرعت العائلة إلى بطون متعددة، منها الشرفاء الحراقيون، شرفاء وزان، اليملحيون، أولاد بن رحمون، والشرفاء الريسونيون، وهاجرت فروع منها إلى القدس واللد وغزة، وإلى دمشق وحلب، بما يعكس امتدادا خارج الحدود الوطنية، وفق ما تروي بعض المصادر.

وتوثق بعض كتابات “دنيا الوطن”، خاصة مقالات حسين أحمد سليم، هذا الامتداد، مشيرة إلى حضور “آل العلمي” في فلسطين وبلاد الشام، باعتبارهم من الأسر المنتسبة لـ”آل البيت”.

لكن العلمي ليسوا فقط تاريخا صوفيا أو نسبا مدونا في كتب الأنساب.

في الحقل السياسي المعاصر، يبرز اسم محمد سعد العلمي، المولود في شفشاون سنة 1948، كأحد الوجوه البارزة داخل حزب الاستقلال.

شغل سعد العلمي عضوية اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني، وتولى مناصب برلمانية ووزارية، منها وزير منتدب لدى الوزير الأول في حكومة عباس الفاسي.

هكذا ينتقل اللقب من جبل العلم إلى قبة البرلمان، ومن الزاوية إلى الجريدة، حيث أسس محمد سعد العلمي “مجلة الهدف”، في تقاطع بين السياسة والإعلام.

ولأن تشابه الأسماء قد يربك القارئ، تجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي الخلط بين محمد سعد العلمي ورجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي، فلكل مساره وسياقه.

إذا عدنا إلى سؤال النخب الذي طرحته مجلة ” L’Express” في تحقيقها حول “العائلات الكبرى بالمغرب”، فإن الخيط الناظم يظل واحدا: أسر تعود جذورها أحيانا إلى قرون بعيدة، لكنها ما تزال حاضرة في الإدارة العليا وعالم الأعمال والسياسة والدين.

في حالة “آل العلمي”، يبدو أن الرأسمال الأساسي لم يكن المال، بل النسب والعلم والرمزية الدينية، قبل أن تتشعب المسارات نحو مجالات أخرى.

من المخزن التقليدي، الذي اعتمد على الأسر المتعلمة والموالية، إلى الدولة الحديثة التي ترفع شعار تكافؤ الفرص، ظل حضور بعض العائلات ممتدا، وإن بأشكال مختلفة.

عائلة العلمي واحدة من تلك الحالات التي تطرح السؤال من زاوية أخرى: حين يتحول النسب إلى ذاكرة جماعية، هل يبقى مجرد تاريخ… أم يصبح موردا اجتماعيا يعاد إنتاجه داخل مؤسسات الدولة والمجتمع؟

في الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنواصل مساءلة العلاقة الملتبسة بين الاسم والسلطة بكل اشكالها في المغرب.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x