لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح9): حينما أماطت خديجة النعومي اللثام عن “فظائع” ضريح “بويا عمر”

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، الباحثة المثيرة للجدل خديجة النعومي، التي غاصت في أسرار وأغواء ضريح سيدي بوعمر.

خديجة النعومي وكشف اللثام عن علاجات “بويا عمر”..

فتحت الباحثة المغربية خديجة النعومي نافذة واسعة على عالم يختلط فيه المقدس بالاجتماعي، والشفاء بالإيمان، والذاكرة الجماعية بمصائر الأفراد.

لم تكتفي النعومي بوصف ظاهرة ضريح سيدي بوعمر، بل تتوغل في بنيتها الرمزية، كاشفة كيف يتحول الفضاء الطقوسي إلى نظام اجتماعي متكامل يوفر للمنبوذين والمرضى والهامشيين معنى وملجأ، حين تعجز المؤسسات الحديثة عن احتضانهم.

كشفت النعومي أن الضريح ليس مجرد مكان للزيارة أو التبرك، بل منظومة علاجية كاملة تقوم على طقوس دقيقة، حيث يُعاد تفسير المرض النفسي والعقلي بوصفه علاقة مع قوى خفية تحتاج إلى تفاوض أو إخضاع أو مصالحة، هنا يتحول الجسد إلى ساحة صراع رمزي، وتغدو السلاسل والعزلة والطقوس جزءا من مسار علاجي يهدف إلى إعادة التوازن، ولو عبر العنف الرمزي أو الجسدي.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز الإيمان الشعبي بوصفه قوة تفسيرية بديلة للعلم الطبي، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود البنية الصحية والاجتماعية في احتواء المعاناة الإنسانية.

وبين المشروع البحثي للباحثة أهمية العمل في كونه لا يكتفي بالوصف الإثنوغرافي، بل يثير نقاشا عموميا عميقا حول سؤال الحداثة والتقليد: هل تمثل هذه الممارسات بقايا يجب إنهاؤها، أم تعبيرا ثقافيا عن حاجة اجتماعية لم تلب بعد؟ فالبحث يبين أن استمرار هذه الفضاءات مرتبط بفراغ مؤسساتي واضح، حيث يجد الفقراء والمدمنون والمهمّشون في الضريح ما لا يجدونه في المستشفى: الاعتراف، والرعاية، والإحساس بالانتماء.

وقد أحدث كتابات النعومي أثرا عمليا خارج حدود الجامعة، إذ فجر جدلا حقوقيا وأخلاقيا حول ممارسات العلاج الطقوسي، ووضع المجتمع أمام مفارقة حادة: بين الدفاع عن الكرامة الإنسانية وضرورة فهم البنية الثقافية التي تمنح هذه الممارسات شرعيتها. بهذا المعنى، يتحول البحث من عمل أكاديمي إلى فعل اجتماعي يحرّك النقاش حول السياسات الصحية، ودور الدولة، وحدود التدخل في الموروث الثقافي.

وفي أفق هذا التحليل، تقترح النعومي قراءة أكثر تعقيدا للظاهرة: الضريح ليس فقط فضاء للعلاج أو للهيمنة الرمزية، بل أرشيف حي للذاكرة الجماعية، ومسرح تتجلى فيه تصورات المجتمع عن المرض والجسد والقداسة، إنه فضاء يجمع بين المعمار التاريخي والطقس الموسيقي واللغة الجسدية في لوحة ثقافية كثيفة، تكشف أن فهم المرض النفسي في المجتمع لا ينفصل عن فهم بنيته الثقافية العميقة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x