2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، لا تُبنى المكانة دائمًا من صندوق الاقتراع فقط، بل أحيانا من مكتبة، ومن زاوية، ومن شجرة نسب تمتد لقرون.
في الحلقة العاشرة من سلسلة “عائلات المغرب”، التي ننشرها على موقع “آشكاين” كل يوم على الساعة العاشرة مساء، نقترب من عائلة الناصري، واحدة من الأسر التي جمعت بين العلم والتصوف والإدارة والسياسة، حتى صار اسمها جزءا من الذاكرة العميقة للدولة.
الأصل هنا ليس حزبا، بل زاوية.
تعود جذور الأسرة إلى الشيخ أبو عبد الله محمد بن ناصر الدرعي، المتوفى سنة 1674م، مؤسس الطريقة الناصرية في تامكروت بوادي درعة، ومن هناك، من الجنوب الشرقي للمغرب، بدأت الحكاية.
لم تكن الزاوية الناصرية مجرد فضاء روحي، بل تحولت إلى منارة علمية.
خزانة تامكروت تضم واحدة من أغنى المكتبات التاريخية في المغرب، وتُعد ثاني أكبر خزانة عريقة بعد مكتبة القرويين، حيث تجمع آلاف المخطوطات، وقرون من التراكم المعرفي، صنعت رأسمالا رمزيا ظل يرافق العائلة جيلا بعد جيل.
من رحم هذه البيئة خرج المؤرخ أحمد بن خالد الناصري (1835-1897)، صاحب موسوعة “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، المرجع الأساسي لتاريخ المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى القرن التاسع عشر.
لم يكن مجرد مؤرخ، بل كان أيضا رجل إدارة، اشتغل في مؤسسات المخزن، وتولى مهام في الأوقاف والجمارك، ما أتاح له الاطلاع على الوثائق الرسمية وصياغة تاريخ من داخل الدولة لا من خارجها.
وفي كتابه “طلعة المشتري في النسب الجعفري”، وثّق أحمد الناصري نسب أسرته، في لحظة تلتقي فيها الكتابة بالتاريخ العائلي، ويتحول العلم إلى تثبيت للهوية.
انتشرت فروع العائلة في سلا وفاس والرباط ومدن أخرى، وظلت حاضرة في الحقلين العلمي والإداري، قبل أن تدخل بقوة إلى السياسة الحديثة.
في الدولة المعاصرة، برز اسم محمد المكي الناصري، الذي شغل مناصب دبلوماسية ووزارية، وترأس الرابطة المحمدية للعلماء.
كما لمع اسم خالد الناصري (1946-2023)، القيادي في حزب التقدم والاشتراكية، الذي تولى منصب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة بين 2007 و2012، قبل أن يُعين سفيرا للمغرب بالأردن.
وفي المجال الرياضي والسياسي، ارتبط اسم سعيد الناصري برئاسة نادي الوداد الرياضي، وبتجربة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، في نموذج آخر لتحول الاسم العائلي إلى علامة حضور داخل الفضاء العام، وإن في سياق مختلف، قبل أن يصبح متهما في واحد من الملفات الأكثر اثارة وتعقيدا في مغرب القرن الـ21.
ورغم التحولات، بقيت العائلة وفية لثلاثية صنعت مجدها؛ العلم، الشرعية الروحية، والقرب من الدولة.
في زمن المخزن التقليدي، كانت الزوايا حليفة للسلطة، تؤمن الاستقرار الرمزي والديني، وفي زمن الدولة الحديثة، تحول الرأسمال الرمزي نفسه إلى رأسمال إداري وسياسي، يتيح الولوج إلى مواقع القرار بطرق مختلفة.
هنا، تبدو عائلة الناصري نموذجا لتحول الزاوية إلى مؤسسة ممتدة، ولانتقال الشرعية من المحراب إلى الوزارة، ومن المخطوط إلى المرسوم.
في الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنواصل مساءلة العلاقة الملتبسة بين الاسم والسلطة بكل اشكالها في المغرب.