2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
وُلد عبد الله السطاطي يوم 23 يوليوز 1947 في طنجة، المدينة التي كانت آنذاك تتنفس كرة القدم كما تتنفس نسيم البحر. لم تكن بدايته في ملعب معشوشب ولا تحت أضواء كاشفة، بل على رمال شاطئ طنجة، حيث كان الفتيان يتسابقون حفاة خلف كرة جلدية أنهكها اللعب. هناك، بين الموج والريح، تشكّلت أولى ملامح موهبته. كان سريعاً، خفيف الحركة، يراوغ كما لو أن الرمل يفسح له الطريق.
في نهاية الخمسينيات، التحق بالفئات الصغرى لفريق الاتحاد الرياضي لشرطة طنجة، المعروف باتحاد طنجة، حيث لعب في فئتي الفتيان والشبان. لم يتأخر اسمه في الظهور؛ فقد ساهم في التتويج ببطولة الشمال للفتيان ثم بطولة الشباب موسم 1959-1960، وهو إنجاز ظل محفوراً في ذاكرة جيل كامل. كان يلعب في خط الهجوم تارة، وفي خط الوسط تارة أخرى، وكأن الملعب كله مجاله الطبيعي.

من شاطئ البوغاز إلى ملاعب البرتغال
مع بداية الستينيات، بدأ حلم الاحتراف يراوده. وفي سنة 1964، شدّ الرحال إلى البرتغال للانضمام إلى نادي أتلتيك لشبونة بالقسم الثاني. لم يكن الانتقال سهلاً لشاب قادم من طنجة، لكن طموحه كان أكبر من الخوف. هناك، تعرّف على إيقاع مختلف للعبة، أكثر صرامة وانضباطاً. غير أن التجربة لم تطل؛ فقد عاد إلى طنجة بعد فترة وجيزة، حاملاً في قلبه خليطاً من الفخر والحسرة. كانت العودة المبكرة من الاحتراف واحدة من أسوأ ذكرياته، إلى جانب نزول فريقه إلى القسم الوطني الثاني لاحقاً.
بين سنتي 1959 و1970، ظل السطاطي وفياً لفريقه الأصلي، متنقلاً بين القسم الوطني الأول والثاني، ومقدماً أداءً جعل المدربين يراهنون عليه باستمرار. تعاقب على تدريبه أسماء مثل علال الحداد، وعبد السلام بوطينة، وحسن أقصبي، وكلهم أجمعوا على امتلاكه مهارات هائلة وقدرة على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة. لم يكن مجرد لاعب يؤدي واجبه، بل كان نجماً حقيقياً في زمن كانت فيه النجومية تُصنع بالعرق لا بالكاميرات.

حمل قميص منتخب طنجة في فئتي الفتيان والشبان، ثم مثّل منتخب الشمال للكبار. كان حضوره في الملعب يبعث الثقة في زملائه، ويزرع القلق في دفاعات الخصوم. شهادات من عايشوه تؤكد أنه لو وُجد في بيئة أكثر احترافية، مع رعاية وصقل مستمرين، لكان اسمه اليوم ضمن كبار نجوم الكرة المغربية. كان يملك رؤية لعب متقدمة، وتسديدات دقيقة، وقدرة على قراءة المباراة قبل أن تنكشف تفاصيلها.
رغم مرارة بعض اللحظات، ظل إنجازه الأبرز تحقيق الصعود إلى القسم الوطني الأول رفقة فريقه، لحظة اعتبرها تتويجاً لسنوات من التضحية. يومها، عاشت طنجة ليلة بيضاء؛ الأهازيج ملأت الأزقة، والرايات رُفعت في الشرفات. كان السطاطي في قلب المشهد، لا يتقدم الصفوف بحثاً عن صورة، بل يتراجع قليلاً ليشارك الفرحة مع زملائه الذين تقاسموا معه الطريق الطويل.
قبل وفاته بحر الشهر الجاري، كانت علاقته بالرياضة لم تنقطع. يمارسها بانتظام، يجتمع مع الأصدقاء لمتابعة بعض المباريات عبر التلفاز، ويستعيد ذكريات زمن كان فيه الملعب مسرح أحلامه. حين كان يُسأل عن رأيه في الرياضة المحلية، يجيب بصراحة: طنجة تفتقر إلى أشياء كثيرة لا داعي لذكرها، لكنها في الوقت نفسه تزخر بشباب ذوي مواهب خارقة تنتظر من يأخذ بيدها. ثم يضيف بفخر واضح: “طنجة تربة خصبة”.
قصة عبد الله السطاطي ليست مجرد سيرة لاعب، بل حكاية جيل آمن بأن كرة القدم يمكن أن تكون طريقاً للارتقاء بالمدينة والشمال معاً. هو واحد من المواهب الكثيرة التي أنجبتها حاضرة البوغاز، ممن تركوا بصمتهم في زمن كانت فيه اللعبة تنمو بإمكانات بسيطة وأحلام كبيرة. وبين رمال الشاطئ وملاعب البرتغال، كتب فصلاً من تاريخ كرة القدم الطنجاوية، فصلاً قد لا تُنصفه الأرقام، لكنه محفوظ في ذاكرة من شاهدوا نجمه يتلألأ فوق مستطيل أخضر كان بالنسبة له عالماً كاملاً.