2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، لا تصنع السياسة في الرباط فقط، بل تُصاغ أحيانا في قرية بعيدة، داخل زاوية، بين رفوف مكتبة، وتحت سقف بيت عالم.
في الحلقة الحادية عشرة من سلسلة “العائلات الكبرى”، نقترب من عائلة محمد المختار السوسي، أو ما يعرف في الأوساط العلمية بـ”الإليغيين”، نسبة إلى قرية إليغ بسوس، تلك القرية التي كانت يوما مركزا سياسيا وروحيا فيما عرف بـ”إمارة إليغ”.
تنتمي العائلة إلى أسرة آل يعزا ويدر من قبيلة رسموكة بسوس، وارتبط اسمها بالعلم والتصوف والوساطة بين القبائل.
لم يكن لقب “السوسي” سوى نسبة جغرافية، أما في الدوائر العالمة فكان الاسم الأدق هو “الإليغي”، تمييزا لعائلة صنعت لنفسها مكانة خاصة داخل المجال السوسي الواسع.
نشأ محمد المختار السوسي في حضن الزاوية، فوالده الشيخ علي بن أحمد الإليغي كان شيخا للزاوية الدرقاوية في المنطقة، ومرجعية روحية تفصل في النزاعات وتؤمن طرق التجارة وتؤطر القبائل، وكانت الزاوية أكثر من فضاء تعبدي؛ كانت مؤسسة حكم محلي، ومركز قرار غير معلن.
داخل هذا البيت، لم يكن العلم حكرا على الرجال، فوالدته رقية بنت محمد كانت حافظة للقرآن ومتعلمة، وهو ما يعكس مستوى ثقافيا نادرا في بيئة قروية آنذاك.
لم تكتف العائلة بالدور الروحي، ففي زمن التغلغل الاستعماري الفرنسي، تحولت الزاوية إلى فضاء تعبئة، وساهم أفراد الأسرة في توجيه المقاومة بالجنوب.
بعض أبناء العمومة التحقوا بجيش التحرير في الخمسينيات، مؤطرين القبائل السوسية دعما للاستقلال واستكمال الوحدة الترابية.
أما المختار السوسي نفسه، فانتقل من فقيه ومؤرخ إلى فاعل سياسي في قلب العاصفة، وكان من قادة الحركة الوطنية في مراكش، تعرض للاعتقال والنفي، ثم عُين بعد الاستقلال وزيرا للأوقاف في أول حكومة مغربية، قبل أن يشغل منصب وزير في مجلس التاج مستشارا للملك محمد الخامس، ويتولى مهمة قاضي القضاة.
هنا، تتجلى مفارقة العائلة: من “سياسة قبلية وروحية” في القرن التاسع عشر، إلى “سياسة دولة حديثة” في القرن العشرين، مع ثبات واضح في الولاء للمؤسسة الملكية.
لكن ما منح العائلة خلودها لم يكن المنصب فقط، بل الكتابة. في موسوعته “المعسول” في عشرين جزءا، وكتابه “إليغ قديما وحديثا”، ثم “سوس العالمة”، لم يؤرخ المختار السوسي لمنطقته فحسب، بل حوّل ذاكرة عائلته إلى جزء من الذاكرة الوطنية.
كتب المختار السوسي عن والده، عن أسرته، عن الأنساب، عن الزوايا، عن العلماء، وكأنه كان يدرك أن من لا يدون تاريخه يتركه عرضة للنسيان.
بفضل هذا الهوس بالتوثيق، تحولت إليغ من قرية في الجنوب إلى اسم حاضر في الخزانة الوطنية، وصارت العائلة مرجعا، وصار تاريخها مادة جامعية في جامعات أكادير والرباط.
في زمن المخزن التقليدي، كانت السلطة تعتمد على الأسر المتعلمة لضبط المجال، وفي زمن الدولة الحديثة، احتاجت إلى نفس الأسر لتأمين الاستمرارية، ولو بأدوات جديدة.
وهكذا، من زاوية درقاوية في سوس إلى وزارة في الرباط، ومن فصل النزاعات بين القبائل إلى الجلوس في مجلس التاج، ظلت العائلة تتقن فن التكيف.
في الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنسأل السؤال نفسه؛ هل تصنع العائلات التاريخ.. أم أن التاريخ هو الذي يصنع العائلات؟