لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. قصة نبي المريدين الذي أربك دولتي المرابطين والموحدين (ح11)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة11: ابن قسي الأندلسي

ارتبط اسم أبو القاسم أحمد بن الحسين بن قسي بواحدة من أغرب الحركات الدينية والسياسية في تاريخ الأندلس والمغرب.

ولد هذا الرجل ببادية شلب لأسرة ثرية من المولدين الذين شغلوا مناصب القضاء ووظائف المخزن في دولة المرابطين. نشأ متأدبا وقال الشعر لكنه قرر فجأة التصدق بكل أمواله والتوجه نحو التصوف الباطني.

رحل إلى ابن العريف بالمرية وتأثر بمدرسة ابن مسرة التي تمزج بين الحكمة الإلهية والفلسفة. لم يقف طموحه عند حدود الزهد بل استغل حادثة إحراق كتب الغزالي ليعلن ثورته ضد المرابطين ملقبا نفسه بالمهدي والإمام.

نجح ابن قسي في تحويل مريديه إلى تنظيم عسكري محكم انطلق من قلعة ميرتلة سنة 539 هجرية. آمن به البسطاء وصدقوا نبوته المزعومة حتى قيل إنه كان يوزع عليهم الأموال “من الغيب”.

سك دينارا خاصا كتب عليه “المهدي إمامنا” في تحد صارخ للسلطة القائمة بالأندلس. تذكر المصادر التاريخية أن كاريزما الرجل وصلت لولي عهد المرابطين تاشفين بن علي الذي كان يقرأ كتبه بتأثر كبير.

أسس دولة “المريدين” التي دامت سبع سنوات وسيطرت على شلب ولبلة وباجة ووصلت مطامعها إلى محاولة دخول قرطبة.

انهار مشروع ابن قسي مع صعود قوة الموحدين في المغرب مما اضطره للفرار إلى مراكش. وقف أمام السلطان عبد المؤمن بن علي ليتبرأ من ادعاءاته السابقة في مشهد درامي شهير.

سأله السلطان عن دعوى الهداية والنبوة فوصف نفسه بـ “الفجر الكاذب” الذي يسبق الفجر الصادق.

عاد إلى شلب تحت راية الموحدين لكنه بدأ يحيك مؤامرات سرية مع ملك البرتغال ألفونسو الأول. اكتشف أهالي المدينة مراسلاته مع البرتغاليين فاعتبروه خائنا للدين وانقضوا عليه وقتلوه داخل قصره عام 546 هجرية.

ترك ابن قسي خلفه كتاب “خلع النعلين في الوصول إلى حضرة الجمعين” الذي أثار جدلا واسعا. وصفه الحافظ ابن حجر في “لسان الميزان” بأنه فيلسوف متصوف ومبتدع استغل الدين للثورة.

كما اعتبر الإمام الذهبي في كتابه “تاريخ الإسلام” أن أفكار ابن قسي تضمنت انحرافات عقدية ومصائب كبيرة. وصل الأمر بابن خلدون، وفق ما ورد في كتاب “العقد الثمين” للمؤرخ الفاسي المكي، إلى المطالبة بإحراق كتبه لحماية الناس من ضلالاته.

تأثر ابن قسي في مساره بكل من ابن العريف وأبي حامد الغزالي وإخوان الصفا ومدرسة ابن مسرة. كما عاصر كبار المتصوفة مثل ابن برجان وأبي بكر المايورقي الذين خلا له الجو بعد وفاتهم في نفس السنة.

تميزت حركته بممارسات معينة مثل التوبة والتوكل والفناء بالشهود للوصول إلى حالة لا يحضر فيها إلا الله. وقد لقب أتباعه بأسماء رنانة مثل ابن المنذر الذي لقبه بـ “العزيز بالله”.

ورغم فشل تجربته السياسية، ظل كتابه مرجعا اهتم به الصوفية ونقلوا عنه الكثير من الإشارات والحكم المزعومة، بينما ظل الفقهاء والمؤرخون ينظرون إليه كصاحب حيل وشعبذة ومعرفة بالبلاغة استخدمها لتحقيق مآربه الدنيوية.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x