2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
هل يكون فؤاد عالي الهمة عنوان المرحلة المقبلة؟
طارق اتلاتي
يشهد العالم اليوم تحولات عميقة تعيد رسم موازين القوى وتفرض إيقاعاً جديداً على السياسات الوطنية للدول، كبيرها وصغيرها. سياق دولي أقل ما يمكن القول عنه إنه جارف، تتقاطع فيه الحروب المفتوحة مع الصراعات الباردة، وتتشابك فيه الحسابات الاستراتيجية مع رهانات الأمن والاقتصاد والطاقة. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يجد المغرب نفسه معنيّاً، بشكل مباشر وغير مباشر، بتداعيات تفاعلات دولية تتجاوز حدوده الجغرافية لكنها لا تتوقف عندها.
فالتصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يطرح معادلات معقدة في منطقة مينا. وإذا استحضرنا أن المغرب يرتبط بعلاقات استراتيجية مع كل من واشنطن وتل أبيب في إطار ما يُعرف بالاتفاق الثلاثي الذي أُعلن خلال إدارة الرئيس Donald Trump، والذي تُوّج باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، فإن أي توتر إقليمي يمس أحد أطراف هذا التوازن لا بد أن ينعكس، بشكل أو بآخر، على تموقع المغرب وحساباته الداخلية والخارجية.
إن السياسة الخارجية للمغرب ليست معزولة عن الداخل، بل كثيراً ما تعيد تشكيل أولوياته. فحين تتغير موازين القوى الدولية، تُعاد صياغة الخطابات والتحالفات، وتُختبر قدرة النخب الوطنية على قراءة اللحظة والتفاعل معها بوعي ومسؤولية. ومن هذا المنطلق، فإن تداعيات الحرب أو التوتر بين هذه القوى قد تؤثر في مجالات متعددة داخل المغرب، من تدبير العلاقات الدبلوماسية، إلى إدارة الرأي العام، وصولاً إلى الخيارات الاقتصادية والأمنية.
ويزداد الأمر حساسية مع انطلاق دينامية جديدة مرتبطة بملف الأقاليم الجنوبية، في ظل الدفع نحو تفعيل مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. إن هذا الورش، الذي يحظى بدعم متزايد من قوى دولية وازنة، يفرض توحيد الصفوف داخلياً، وترسيخ جبهة وطنية صلبة قادرة على استيعاب تحولات اللحظة، وتحصين المكتسبات، وتقديم نموذج تدبيري بعد الاتفاق المبدئي يعكس جدية الطرح المغربي ومصداقيته.
غير أن التحدي لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى سؤال الجاهزية الداخلية. ففي لحظات التحول الكبرى، لا يكفي توفر المؤسسات بحد ذاتها، بل يلزم حضور نخب سياسية ذات تجربة عميقة، قادرة على الجمع بين الحس الوطني والخبرة التدبيرية، وبين الفهم الحزبي والإدراك الاستراتيجي. وفي ظل مؤشرات توحي بمرحلة دقيقة سياسياً وقانونياً، يصبح النقاش حول طبيعة القيادة الحكومية المقبلة نقاشاً مشروعاً ومطروحاً بإلحاح.
إن المرحلة المقبلة قد تقتضي نموذجاً حكومياً استثنائياً، سواء كان في شكل حكومة تكنوقراطية محضة، أو حكومة ائتلاف وطني بمزيج تكنوقراطي–سياسي، أو صيغة أخرى تفرضها ضرورات المرحلة. فالمهم ليس الشكل بقدر ما هو مضمون القيادة، وقدرتها على استيعاب تعقيدات اللحظة التاريخية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى شخصية بخبرة رجل دولة، وبتجربة حزبية وسياسية عميقةو جدية قادرة على بناء الجسور بين المؤسسات، وتدبير التوازنات، واحتواء الاختلافات. شخصية من طراز السيد فؤاد عالي الهمة، بما راكمه من تجربة سياسية وتنظيمية، وبما يمتلكه من معرفة دقيقة بدوائر القرار وتوازناته، قد تشكل نموذجاً لما تحتاجه المرحلة من حنكة وهدوء واستباق.
وفي هذا السياق، يبرز اسم السيد فؤاد عالي الهمة كشخصية راكمت تجربة سياسية وتنظيمية وازنة داخل المشهد الوطني، وارتبط اسمها بمحطات مفصلية في إعادة ترتيب الحقل الحزبي وتعزيز منطق الدولة والمؤسسات. فقد عُرف بقدرته على قراءة التحولات بهدوء وعمق، وبمهارته في بناء التوازنات وصياغة المقاربات التي تجمع بين الواقعية السياسية والحفاظ على الاستقرار. كما يُنظر إليه كرجل دولة يمتلك خبرة في تدبير الملفات الحساسة، وقادراً على الربط بين الرؤية الاستراتيجية والاشتغال الميداني، مع ميل واضح إلى العمل المؤسساتي الرصين بعيداً عن الشعبوية والضجيج. وهي خصال تكتسب أهمية مضاعفة في مرحلة دقيقة تتطلب قيادة متبصرة، وخبرة تراكمية، وحساً عالياً بالمسؤولية الوطنية حفاظا على المصالح الوطنية و المصالح العليا للوطن
إن ما ينتظر المغرب في المرحلة المقبلة ليس عادياً، لا سياسياً ولا قانونياً ولا مؤسساتياً. نحن أمام تحولات كبرى قد تعيد ترتيب الأولويات، وتفرض إصلاحات عميقة، وتستدعي تعبئة وطنية شاملة تتجاوز الحسابات الضيقة والصراعات الظرفية. فالدول التي تنجح في عبور المنعطفات التاريخية هي تلك التي تحسن قراءة السياق، وتختار رجالات المرحلة بعناية، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
ولذلك، فإن الوعي بحجم التحديات المقبلة هو الخطوة الأولى نحو مواجهتها. فالمغرب، بتاريخ دولته العريق ومؤسساته الراسخة، قادر على تحويل الأزمات إلى فرص، شريطة أن تتكامل الإرادة السياسية مع الكفاءة القيادية، وأن تتوحد الجبهة الداخلية في مواجهة عالم لم يعد يعترف بالهشاشة ولا يرحم المترددين.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها