2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”: ”ابن سمسار” سلا الذي تحول إلى ”نبي” وزعزع عرش الموحدين (ح12)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة12: محمد بن هود الماسي
لم يكن محمد بن عبد الله بن هود السلاوي سليل بيوتات الملك، بل كان، كما يصفه الناصري في ” الاستقصا”: “رجلا من سوقة أهل سلا، وكان أبوه سمسارا بها يبيع الكنابيش، وكان هو قصارا (بائع ثوب الكتان) بها مدة”.
انخرط في العمل السياسي والعسكري مبكرا، حيث “لحق بعبد المؤمن عندما ظهر وبايعه وشهد معه فتح مراكش”. هذا القرب من هرم السلطة الموحدية الناشئة منحه خبرة عسكرية ومعرفة دقيقة بنقاط ضعف الدولة التي سيثور عليها لاحقا.
بعد انفصاله عن عبد المؤمن، اتجه ابن هود إلى الجنوب، حيث “ظهر برباط ماسة من ناحية السوس ودعا لنفسه وتسمى بالهادي”. لم تكن دعوته مجرد تمرد سياسي، بل اتخذت طابعا روحيا غيبيا. إذ يذكر الناصري أن “ناموسه تمكن من قلوب العامة وكثير من الخاصة”. وبسبب الكاريزما الدينية والادعاء بالهداية، “أقبل إليه الشراد من كل جانب، وانصرفت إليه وجوه الأغمار من أهل الآفاق” . تحول “القصار” البسيط إلى “نبي” يتبعه المريدون. “انصرفت إليه وجوه الأغمار من أهل الآفاق” (نفس المرجع دائما)، إيمانا بقدسيته. وقدم نفسه كصاحب رسالة تهدد شرعية المهدي بن تومرت.
لم تقف دعوته عند حدود السوس. تمدد دينه الجديد كالنار في الهشيم. يوضح الناصري أن الماسي “أخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة ورجراجة وقبائل تامسنا وهوارة”. آمنت هذه القبائل بنبوته وقاتلت تحت رايته. “فشت ضلالته في جميع المغرب” (الاستقصا)، حتى حاصر دولة الموحدين. لم يبقَ للخليفة عبد المؤمن إلا فاس ومراكش. كان المغرب كله على وشك أن يدين بدين “نبي سلا” الجديد.
استشعر الموحدون خطر هذا “النبي” الجديد. أرسلوا الجيوش لسحق “الناموس” الماسي بالقوة. بعد جولات دامية، تمكن القائد أبو حفص الهنتاتي من محاصرته. وقعت المعركة الكبرى عند وادي ماسة. سقط ابن هود في ساحة الوغى سنة 541 هـ (أو 542 هـ حسب روايات أخرى).
بموته، تفرق أتباعه وانطفأت شعلة “نبوته” المزعومة. يختم الناصري بوصف تلك المرحلة بأنها كانت ”فتنة عظيمة”، حيث “توالى عليه الفتح واستوثق له الأمر”.