لماذا وإلى أين ؟

إيران.. إسقاط النظام أم إعادة تدويره؟

عادل بن حمزة

تماما مثل كل مرة، فقد أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قدرة كبيرة على دمج التكنلوجيا والاستخبارات والقوة النارية في المواجهة مع إيران وأذرعها في المنطقة، يظهر ذلك من خلال تكرار القدرة على استهداف كبار الشخصيات التي من المفترض أنها تحظى بحماية استثنائية في زمن السلم، فما بالك بزمن الحرب.

برز ذلك منذ اغتيال قاسم سليماني وقيادات الحشد الشعبي في العراق وصولا إلى اغتيال علي خامنئي صباح أول أمس السبت ومعه مستشاره علي شمخاني ووزير الدفاع وقادة من الحرس الثوري وباقي قادة المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية بما في ذلك أجهزة الاستخبارات ومكافحة التجسس، مرورا باغتيال زعيم حركة حماس إسماعيل هنية والأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله ومن خلفه وجميع الحزب العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى موجة الاغتيالات التي شملت إيران في حرب الـ12 يوما في يونيو 2025، وقد حصدت عشرات القيادات العسكرية والأمنية والعلمية، يضاف إلى ذلك العملية النوعية التي قامت بها واشنطن في كركراس وأفضت إلى اعتقال نيكولاس مادورو ونقله للمحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية.

في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبدو أن نموذج نجاح عملية التحول في فنزويلا، يمارس إغراءا على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ففي تصريحات بعد تأكيده مقتل علي خامنئي، عبر ترامب عن انفتاحه على أي عملية تحول سياسي تقودها أطراف من داخل بنية النظام الإيراني، بما في ذلك قادة من الحرس الثوري، وهو ما يعني أن الرئيس الأمريكي يريد تدوير النظام في إيران كاختيار أول، مما يسمح له بتخفيض كلفة الحرب العسكرية والبشرية والمادية في مقابل تحقيق مكاسب سیاسية كبيرة، خاصة أن دخول الولايات المتحدة الحرب، أمر غير مرحب به في أوساط حركة “الماغا” التي تشكل القاعدة الانتخابية الكبرى لترامب، وكذلك وسط الديمقراطيين الذين يسعون إلى استثمار الحرب في التجديد النصفي للكونغرس في حال فشل العملية العسكرية أو عدم تحقيق أهدافها المعلنة، لذلك ليس من المستغرب أن يكون ترامب أكثر انفتاحا على تسوية سياسية، حتى لو عقدت مع “صيغة منقحة” من النظام الإيراني نفسه. لكن يبقى السؤال هل هناك أوجه تشابه بين حالتي إيران وفنيزويلا تسمح بإمكانية توفر شروط هذه التسوية؟

بعد توجيه الولايات المتحدة الأمريكية ضربات جوية ضد منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025، والتي حسمت حرب الـ12 يوم في مواجهة إسرائيل، كان واضحا أن إيران قد دخلت مرحلة جديدة من المواجهة

لم تعد تقتصر على التهديدات الخارجية، بل تشتد داخليا عبر لهيب أزمة حقيقية قد تكون المسمار الأخير في نعش نظام أرهق شعبه والمنطقة لعقود. ورغم أن النظام نفى في البداية الآثار المدمرة للضربة الأمريكية فإنه عاد بعد شهور للاعتراف بأنها أوقفت برنامجه النووي وقد تكون دمرته لسنوات.

ساعتها كان واضحا أن النظام خسر ورقة، رهن من أجلها لعقود طويلة موارد الشعب الإيراني، ذلك أنه كان بحاجة للورقة النووية لتأمين بقاءه عندما يشتد عليه الخناق داخليا وخارجيا. لذلك فكل المؤشرات الراهنة تؤكد أن النظام الإيراني يمر بلحظة ضعف نادرة تاريخيا، وأن خياراته تضيق بشكل متسارع بعد تشبث واشنطن بشروطها الثلاث، لا للبرنامج النووي حتى في حدوده الدنيا، لا للبرنامج الصاروخي، لا لتوظيف وكلاء إيران في المنطقة.

من يحدد مصير إيران اليوم ليس النظام نفسه الذي يختبر قدرته على الصمود بل موازين القوى الخارجية وحالة الغليان الداخلي. القدرات الإيرانية تتضاءل يوما بعد يوم، وقدرة النظام على المناورة صارت محدودة إلى حد غير مسبوق. في ظل هذه المعطيات، يبدو أن إيران – أو بالأحرى نخبتها الحاكمة – لا تملك الآن سوى ورقة التفاوض على “بقاء النظام” نفسه، لا على رفع العقوبات أو تخفيف العزلة. لم تعد إيران تفاوض كقوة إقليمية وازنة، بل كنظام يخشى السقوط، وربما قد تضيع هذه الفرصة في الساعات والأيام القليلة القادمة.

ما يجري اليوم يستدعي العودة إلى لحظة إسقاط الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، حيث تبنت إيران خطابا قائما على التخويف من استهداف الثورة، والدفع بوجود “مؤامرة” دائمة تستهدف الجمهورية الإسلامية. لذلك مزج النظام الوليد اللغة الثيوقراطية بالشعارات الثورية، واختزل السلطة السياسية في “ولاية الفقيه”، هذه الأخيرة اختارت أن وظيفة رسولية قائمة على تصدير الثورة بدل أن تنشغل ببناء الدولة راهنت طهران على الأقليات الشيعية في المنطقة من اليمن إلى لبنان، ومن العراق إلى سوريا، ودخلت منذ البداية حربا طويلة مع العراق بدل استثمار عائدات النفط والغاز لتجاوز الأوضاع التي كانت سببا مباشرا في إندلاع الثورة ضد الشاه. المهمة الرسولية التبشيرية لم تتوقف في منطقة الخليج والشرق الأوسط، بل تجاوزتها إلى إفريقيا والجاليات الإسلامية في أوربا وغيرها من بقاع العالم، ليس فقط من زاوية العقيدة والمذهب بل أساسا من جانب الولاء السياسي لإيران على حساب دولها الوطنية.

رغم كل ما قيل عن صلابة النظام الإيراني وقدرته على امتصاص الضغوط الداخلية والخارجية بما في ذلك فراغ مقتل المرشد الأعلى، فإن الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وتجدد العقوبات الأوربية منذ فترة مثلت لحظة حاسمة تكشفت فيها هشاشة كيان ثيوقراطي، بني على توازنات معقدة يمكن أن تعرضه لإنهيار سريع كما حدث في كثير من ا كما حدث في كثير من الأنظمة الشمولية التي كانت تعيش على الشعارات والتعبئة الجماهيرية. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، سعى النظام إلى بناء مشروعية أيديولوجية ودينية واجتماعية، وقد نجح في تغيير هوية النظام السياسي في إيران من النقيض إلى النقيض في حالة نادرة قد لا تقاس سوى بالثورتين الفرنسية والروسية، لأنه أعاد بناء أسس الشرعية وخلق علاقات زبونية استقطبت فئات إجتماعية واسعة، إلا أن النظام يواجه اليوم مخاطر الانهيار في الأسس التي قام عليها أيديولوجيا، ووظيفيا، ومجتمعيا.

مثلت الحرب السابقة مع إسرائيل، اختبارا شاملا لقدرة النظام في إيران على التماسك في لحظة شديدة التعقيد فقد فيها حلفائه في المنطقة بينما الداخل الإيراني لم يعد كما كان، فجدار الخوف بدأ يتآكل، والحاضنة الشعبية للنظام وفي صلبه الحرس الثوري تتآكل أيضا، والهوية الثورية التي طالما استخدمها النظام كوسيلة للتعبئة والدفاع، باتت بلامعنى وغير قادرة على تبرير الفقر والبطالة وسوء الخدمات خاصة بالنسبة للشباب فالجيل الذي خرج في احتجاجات 2017 وما تلاها إلى الاحتجاجات الأخيرة، ليس من أبناء الثورة، بل هو جيل ساخط لا يُبدي أي ولاء للرموز الدينية التي يحكم من خلالها النظام، ولا يعقد أي مقارنة تفاضلية بينه وبين نظام الشاه رضى بهلوي.

النظام الإيراني راهن ولايزال، على الوطنية الإيرانية كعامل وحدة في لحظة المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لكن الهزائم المتتالية تعكس مفعولها، ذلك أنها تحولت من خلال الاحتجاجات الأخيرة إلى تعبئة وطنية توظف العامل الخارجي في مواجهة النظام ورموزه، نستحضر هنا ما حدث في إيطاليا عند سقوط نظام موسوليني في إيطاليا، وفي العراق وأسباب إسقاط نظام البعث بقيادة صدام حسين، وكذلك الأمر لحظة تفكك نظام الحزب الشيوعي السوفياتي، ونظام تشاوسيسكو في رومانيا، و نظام القذافي في ليبيا وليس آخرا نظام الأسد في سوريا، وفي كل هذه النماذج كان العامل الخارجي حاسما، بعد عجز الديناميات السياسية والاجتماعية في الداخل على إلحاق الهزيمة بأجهزة النظام الأمنية والأيديولوجية.

السيناريوهات التي تنتظر إيران بعد رحيل خامنئي وبغض النظر عن مآلات الجولة الجديدة من السخط الشعبي، لا توحي باستقرار طويل الأمد. فصراعات الحرس الثوري مع المؤسسات التقليدية، وتعدد مراكز القوى داخل النظام، وتضارب الولاءات داخل النخبة، والغضب الشعبي بالإضافة إلى العجز الاقتصادي الكامل، تنذر جميعها بفترة اضطراب سياسي قد تكون البوابة لتفكك النظام أو في أفضل الأحوال إحداث تحول من داخله. الحرب مع أمريكا وإسرائيل تقوم بإنضاج شروط هذه اللحظة الانتقالية لأنها تستنزف ما تبقى من تماسك سياسي واقتصادي واجتماعي في بلد أجل الانفجار لسنوات طويلة.

السلطات الإيرانية تراهن على تكثيف رقابة ميليشيا الباسيج في المدن الإيرانية كما راهن الشاه سابقا على جهاز السافاك، مما يؤكد أن النظام يخشى القنابل الأمريكية الإسرائيلية بقدر ما يخشى الجماهير الإيرانية التي أثقلها القمع والبطالة والفساد. وهذا الرهان ليس فقط دليلا على حالة الهلع داخل مؤسسات النظام الأمنية، بل هو رسالة خوف من الشارع. فقد أظهرت الاحتجاجات الشعبية أن الغضب الشعبي موجود، وهو في ازدياد.

وككل حرب يخوضها نظام استبدادي، تبدأ أولى بوادر الانهيار من الداخل. التاريخ الحديث يقدم لنا نموذج صدام حسين، الذي وبعد حرب الخليج الأولى اختار القمع الدموي لإسكات الداخل العراقي، لكن في النهاية سقط تحت ضغط المعاناة والانعزال الدولي. السيناريو ذاته تكرر في إيران بعد حرب ال 12 يوما: قمع غير مسبوق وجثث في الشوارع تقول تقارير إيرانية ودولية أنها كانت بالآلاف، لكن النتائج بعيدة المدى

تكون كارثية على النظام. فمع كل ضحية تسقط، تسقط معها شرعية النظام بنظر شعبه، والمثير في الاحتجاجات الأخيرة التي لم يكن لها طابع أيديولوجي أو مطالب فئوية، أنها ضمت فئة كانت محسوبة دائما كقوة اجتماعية واقتصادية على النظام وهي “فئة” بازار طهران وما ترمز له في التاريخ السياسي الإيراني، إذ كانت في طليعة الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي عرفتها إيران في القرن الماضي، بما في ذلك ثورة 1979 التي حملت الخميني إلى هرم السلطة.

إيران ليست فقط نظاما سياسيا قمعيا، بل هي آلة دعائية ضخمة، غرقت لعقود في خطاب “الثورة” و”المقاومة”، متكئة على بنية ثيوقراطية مذهبية جعلت منها مصدرا دائما لعدم الاستقرار في الإقليم. من سوريا إلى اليمن، مرورا بالعراق ولبنان والبحرين، فقد لعبت طهران دورا غذى الصراعات الطائفية وأسهم في تدمير الدول. فالنظام في جوهره ومنذ لحظة التأسيس لم يقم على التنمية أو الاستقرار، بل على تصدير الأيديولوجيا وتغذية الحروب بالوكالة. وقد تجاوز الأمر حدود الإقليم إلى شمال إفريقيا من خلال محاولة التأثير في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية من . خلال مليشيات البوليساريو بالسلاح والتدريب بتنسيق مع النظام الجزائري.

خلاصة القول، أن إيران اليوم ليست دولة تملك زمام مصيرها، بل هي نظام محاصر داخليا وخارجيا. وقد تكون الاحتجاجات الشعبية الأخيرة آخر فرصة أضاعها النظام، يضاف إليها الحرب الجارية والتي سواء أفضت إلى تغيير جذري من الداخل أو إلى مزيد من ا التآكل البطيئ، فإن الأمر سينتهي بانهيار النظام تحت ضغط العقوبات والعزلة والغضب الشعبي المتفجر.

لم تعد الحرب مجرد مواجهة/ جولة عسكرية؛ إنها صراع وجود لنظام انتهت صلاحية بقائه، لكن سقوطه أيضا يحمل مخاطر جسيمة على المنطقة ككل وهو ما جعل دول مثل السعودية وسلطنة عمان وقطر تتدخل لدى دونالد ترامب بطلب عدم توجيه ضربة للنظام في إيران لكنها فشلت في ذلك، فهل ينجح ترامب في تدوير النظام في طهران بدل إسقاطه؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x