لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. أحمد بنعجيبة؛ سيرة عالم طارده المجد واختار العزلة

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم :

في شمال المغرب، حيث تتجاور الجبال مع البحر وتتشابك الطرق بين طنجة وتطوان، ترقد شخصيات صنعت أسماءها خارج دوائر السلطة والجاه. لم يتركوا وراءهم قصوراً ولا ثروات، بل تركوا أثراً روحياً عميقاً جعل قبورهم مقامات يؤمها الزوار. 

ومع مرور الزمن، تحولت بعض هذه الأضرحة إلى محطات لما يُعرف اليوم بالسياحة الروحية، في مشهد يجمع بين الإيمان الشعبي والبحث عن السكينة. 

غير أن هذه الأمكنة نفسها صارت، أحياناً، ضحية الإهمال أو ممارسات تُسيء إلى رمزية من يرقدون فيها. ومن بين أبرز هؤلاء سيدي أحمد بنعجيبة، الرجل الذي تحولت حياته إلى ما يشبه ملحمة من الصبر والمعاناة والعلم.

من تطوان إلى طنجة… رحلة الألم والمعرفة

وُلد سيدي أحمد بن محمد بن عجيبة الشريف الحسني الإدريسي سنة 1758 بقرية اعجيبيش في أحواز تطوان. منذ صغره، انصرف إلى طلب العلم، فدرس في تطوان قبل أن ينتقل إلى القصر الكبير، ثم إلى فاس التي كانت آنذاك القلب النابض للعلوم الشرعية بالمغرب. لم يكتفِ بذلك، بل ارتحل إلى الرباط وسلا، وكأنه يعيد وصل خيوط قرابته بالأسر الأندلسية المستقرة هناك. كانت رحلاته بحثاً عن المعرفة، لكنها كانت أيضاً بحثاً عن مكان يحتضن طموحه.

عاد إلى تطوان أكثر علماً وذيوعاً للصيت، غير أن المدينة التي ولد قربها لم تفتح له ذراعيها. اصطدم بأعيانها ونخبها، وتكاثرت حوله الخصومات. تذكر المصادر أنه تعرض لمكيدة أفضت إلى سجنه لسنوات، دون أن تتضح تفاصيلها. غير أن رد فعله كان لافتاً؛ اختار أن يواجه خصومه بالزهد المفرط، فارتدى الأسمال وامتطى حماراً يجوب به الأزقة، في صورة أربكت خصومه وأثارت حيرتهم. كان زهده احتجاجاً صامتاً على عالم الامتيازات، ورسالة واضحة بأن الكرامة لا تُقاس بالمظاهر.

لم تتوقف المتاعب عند هذا الحد. كلما بنى لنفسه مأوى، هُدم عليه، فيعيد بناءه بإصرار. عاش مهدداً في رزقه ومسكنه، ومع ذلك لم يتخل عن رسالته العلمية. ترك مؤلفات في التفسير وشرح المتون والحِكم، شاهدة على عقل منشغل بالمعرفة حتى في أحلك الظروف. جمع بين التواضع الشديد وسخاء اليد؛ تروي بعض الروايات أنه كان يجالس الفقراء والمهمشين، بل ويتسول أحياناً، فيما كان ينفق في أوقات أخرى على دراويش الزوايا وأهل الحاجة.

عاصر ثلاثة سلاطين: محمد بن عبد الله، ثم اليزيد، فالمولى سليمان، في مرحلة لم يكن فيها المغرب بمنأى عن التقلبات الداخلية والأطماع الأوروبية، خاصة في الشمال. وسط هذا السياق المضطرب، قرر بنعجيبة أن ينسحب من صخب المدن. باع كتبه في لحظة فاصلة، وابتعد إلى قرية الزميج بجماعة ملوسة، على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً من طنجة، وعلى مسافة غير بعيدة من مضيق جبل طارق. هناك استقر رفقة زوجاته الأربع وأبنائه التسعة، وكأنه يعلن قطيعته النهائية مع عالم أنهكه بالصراع.

ضريح سيدي أحمد بنعجيبة بقرية الزميج بطنجة

موسم الذاكرة بين القداسة والإهمال

في الزميج، وجد سكوناً افتقده طويلاً. وبعد وفاته، تحول قبره إلى مزار يُقام له موسم سنوي منذ أكثر من قرنين. نسج المريدون حوله حكايات عن كرامات وبركات، وارتفعت مكانته في المخيال الشعبي إلى مقام الولي الصالح. غير أن هذا الموسم، مثل غيره، لم يسلم من اختلاط الممارسات بين ما يعكس الاحترام وما يسيء إلى روح الرجل الذي أفنى حياته في طلب العلم.

اليوم، تقف هضبة الزميج أمام مفارقة مؤلمة. فبينما يتوافد الزوار بحثاً عن أثر رجل قاوم الإقصاء بالزهد، طُرحت مقترحات لتحويل أراضٍ مجاورة إلى مطرح للنفايات، في خطوة رآها كثيرون تجاهلاً لذاكرة المكان ورمزيته. كأن سيرة بنعجيبة، التي وُسمت بالصراع في حياته، ما تزال تواجه تحديات بعد رحيله.

تبقى قصة سيدي أحمد بنعجيبة أكثر من مجرد سيرة ولي تُروى في المواسم. إنها حكاية عالم طارده المجد والخصوم معاً، فاختار العزلة سبيلاً، وترك خلفه إرثاً علمياً وروحياً يتجاوز حدود الجغرافيا. بين تطوان والزميج، وبين السجن والسكينة، تتجسد رحلة رجل بحث عن الحقيقة في زمن مضطرب، فوجد خلوده في قرية هادئة على تخوم الشمال.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x