لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. قصة بن تومرت الذي ”كلم الموتى” (ح13)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة13: المهدي ابن تومرت

تعد تجربة محمد بن تومرت (المتوفى سنة 524هـ) في المغرب الأقصى واحدة من أكثر الظواهر التاريخية تعقيدا في الغرب الإسلامي، حيث تداخلت فيها صياغة العقيدة ببناء الدولة، وامتزجت فيها الكاريزما الروحية بالدهاء السياسي.

يتجاوز البحث في شخصية ابن تومرت مجرد سرد الأحداث العسكرية للدولة الموحدية، ليتجه نحو تحليل “الادعاءات المهدوية” التي صاغها، والتي يرى العديد من الباحثين والمؤرخين أنها تجاوزت مفهوم الإمامة لتلامس تخوم “النبوة” من حيث ادعاء العصمة، وتلقي التأييد الإلهي، ووضع تشريعات وكتابة “قرآن” باللسان الأمازيغي لتقريب العقيدة من مريديه من قبائل مصمودة. يقول عبد الواحد المراكشي في كتابه ”المعجب في تلخيص أخبار المغرب”: ”ووضع لهم (اي ابن تومرت) كتابا باللسان البربري، وهو الذي بأيديهم إلى اليوم، يقرؤونه ويسمونه (أعز ما يُطلب)، وفيه من العلم جُمَل كافية لمثله”. وجاء في كتاب “الأنيس المطرب بروض القرطاس” لابن أبي زرع الفاسي، أن ابن تومرت ألف مؤلفات باللسان “المصمودي” لتكون بديلا عما لدى الناس، ومن بينها ما يشبه السور القرآنية، حيث يقول:”وألف لهم كتابا باللسان البربري في التوحيد يسمى (المرشدة)، وأمرهم بحفظه وقراءته، وكان يلقب بـ (قرآن الموحدين) في بعض المراجع المتأخرة التي وصفت أفعاله”.

بدأ ابن تومرت مشروعه بعد رحلة مشرقية نهل فيها من مدارس الكلام والتصوف، ليعود إلى المغرب حاملا مشروعا إصلاحياً ثوريا. ويشير عبد الواحد المراكشي في كتابه “المعجب في تلخيص أخبار المغرب” إلى أن ابن تومرت اعتمد إستراتيجية التدرج، فبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم انتقل إلى مرحلة “الإمام المعصوم والمهدي المعلوم”. هذا الادعاء بالعصمة هو النقطة الجوهرية التي يرتكز عليها القول بوجود “نزعة نبوية” في دعوته؛ إذ إن العصمة في الفكر الإسلامي التقليدي صفة لصيقة بالأنبياء، وبتنسيبها لنفسه، نقل ابن تومرت طاعة أتباعه له من دائرة الولاء السياسي إلى دائرة الإيمان العقدي المطلق.

ومن المعطيات التاريخية المثيرة للجدل في سيرة ابن تومرت، ما أورده الذهبي في “سير أعلام النبلاء” حول استخدام “الخوارق” أو الكرامات المصطنعة لتثبيت دعائم نبوته المدعاة بين القبائل “الجهال” حسب وصف المصادر أغلبها حاولت الضرب في سيرة هذه الشخصية. ويبرز هنا الحادث الشهير المعروف بـ “تكليم الموتى”، حيث تذكر الروايات (التي نقلها أيضا ابن أبي زرع في “الأنيس المطرب”) أن ابن تومرت قام بدفن رجال أحياء في قبور قديمة بعد تواطئه معهم، ليقوم أمام حشد من أتباعه بمناداتهم، فيجيبونه من تحت الأرض مؤكدين صدق دعوته وأنه المهدي الموعود، قبل أن يعمد إلى ردم القبور عليهم نهائيا لضمان كتمان السر.

ورغم أن هذه الروايات قد تحمل صبغة من التحامل المريني أو الفقهي المتأخر، إلا أنها تعكس طبيعة الذهنية التي كانت تدار بها الدعوة الموحدية، والقائمة على استثمار “المخاريف” والآيات لإقناع الأتباع بخصوصيته الروحية.

وضع ابن تومرت كتاب “أعز ما يُطلب”، وهو المؤلف الذي تضمن أصول عقيدته، وفرضه على أتباعه كمرجع مقدس لا يأتيه الباطل، بل وصل الأمر إلى حد تكفير “المرابطين” ووصفهم بالمجسمة، وإباحة دمائهم وأموالهم.

يذكر ابن القطان المراكشي في “نظم الجمان” تفاصيل دقيقة عن “تمييز الموحدين”، وهي عملية تصفية جسدية واختبارات إيمانية قاسية خضع لها الأتباع، مما يعزز فكرة وجود نظام سلطوي مطلق يستمد شرعيته من “وحي” أو “إلهام” يدعيه القائد. كما أن صياغته للصلاة والأذكار باللسان المصمودي (الأمازيغي) كانت خطوة لقطع الصلة مع المرجعية الفقهية القائمة آنذاك، وخلق كيان ديني مستقل يتمركز حول شخصه.

بالتحليل الأكاديمي، يمكن القول إن ابن تومرت لم يعلن صراحة “النبوة” باللفظ الاصطلاحي تجنبا للصدمة المباشرة مع النص القرآني، لكنه مارس “سلوك النبوة” من خلال ادعاء العصمة، وتغيير الأحكام، وإحاطة نفسه بقداسة تجعل مخالفته خروجا عن الملة.

يؤكد ابن خلدون في “المقدمة” أن نجاح ابن تومرت لم يكن ليتم لولا “العصبية” القبلية، لكنه استدرك بأن هذه العصبية تم توجيهها بصبغة دينية جعلت من المصامدة “أنصارا” ومن دعوته “رسالة”.

ويظل إرث ابن تومرت شاهدا على كيفية تحوير المفاهيم الدينية الكبرى (كالمهدوية) لتصبح غطاء لنبوة ضمنية تؤسس لإمبراطورية سياسية، وهو ما جعل فقهاء عصره ومن جاء بعدهم، كابن تيمية وابن القيم، يجمعون على وصف حركته بأنها “تلبيس وشعوذة” لإعادة الاعتبار للمفاهيم الشرعية التي يرون أنه انتهكها بادعاءاته.

تظل شخصية المهدي بن تومرت نموذجا فريدا للشخصية “النبوية-السياسية” في التاريخ الإسلامي؛ فبين من يراه مجددا أشعريا وبين من يراه مدعيا للوحي بطرق احتيالية، تبرز الوقائع التاريخية المسجلة في مصادر مثل “الحلل الموشية” و”الاستبصار” لترسم صورة لرجل استطاع قلب موازين القوى في شمال إفريقيا والأندلس عبر قوة “الادعاء” الديني والسيطرة الروحية المطلقة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x