لماذا وإلى أين ؟

عبد الفتاح يكشف خلفيات تصاعد المطالب الموريتانية بـ’استعادة الكويرة’ تزامناً مع مفاوضات الحكم الذاتي

تزامناً مع تسارع المشاورات الدولية حول نزاع الصحراء المغربية، والتي كان آخرُها لقاءَي مدريد وواشنطن، عاد اسم الكويرة إلى الواجهة داخل بعض الأوساط الموريتانية، وسط دعوات متفرقة لإعادة طرح وضعيتها، في لحظة إقليمية دقيقة يؤطرها القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن، وتحركات تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لإحياء المسار السياسي.

إثارة الملف في هذا التوقيت بالذات طرحت سؤال الخلفيات: هل نحن أمام تحول في الموقف الرسمي لنواكشوط -التي لم تخرج بأي تصريح مسؤول حول الموضوع- أم أننا أمام محاولة للضغط على الإدارة الموريتانية، أم أمام نقاش ظرفي تغذيه رهانات مرحلة تفاوضية حساسة؟

محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، يعتبر أن “النقاش المتجدد حول الكويرة يثير تداخلاً بين المعطى القانوني والتوظيف السياسي، خاصة كلما ظهرت أصوات تحاول تقديم المنطقة كبؤرة توتر محتملة بين الرباط ونواكشوط”.

ويرى عبد الفتاح أن العودة إلى المعطيات الموثقة تكشف أن جزءاً من السجال “يستند إلى تأويلات سياسية مجتزأة أكثر مما يستند إلى وقائع موثقة أو مواقف رسمية ثابتة”.

من الناحية القانونية، أوضح عبد الفتاح، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن الكويرة جزء من إقليم الصحراء المدرج منذ 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وأنها “باتت مؤطرة بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة باعتبار الاختصاص الحصري للهيئة الأممية التي باتت تقر بسيادة المملكة من خلال مرجعية مبادرة الحكم الذاتي”. لذلك، يؤكد أن “الوضع القانوني للكويرة لا ينفصل عن الوضع القانوني لبقية الإقليم”، وأن أي حديث عن الحسم النهائي يظل رهين المسار الأممي منذ وقف إطلاق النار سنة 1991.

أما بخصوص موريتانيا، فإن محطة غشت 1979 تظل مفصلية في تحديد الإطار القانوني. فبحسب عبد الفتاح، فإن “انسحابها من النزاع بموجب اتفاق غشت 1979 مع جبهة البوليساريو شكل تحولاً مفصلياً، إذ أعلنت تخليها عن مطالبها السابقة في الجزء الذي كان خاضعاً لاتفاق مدريد سنة 1975، وهو الاتفاق الذي خول لها إدارة إقليم وادي الذهب ولم يخول لها أي ممارسة سيادية عليه”.

وأضاف الخبير في الشأن الصحراوي أن هذا التخلي لم يكن موقفاً عابراً، إذ “منذ ذلك التاريخ، أي غشت 1979، لم تتضمن الخرائط الرسمية الموريتانية المودعة لدى الأمم المتحدة أو بقية المنظمات الإقليمية والقارية، أي إشارة إلى ضم الكويرة أو أي جزء من الصحراء”، مشدداً على أن هذا المعطى “عنصر قانوني بالغ الأهمية، لأن الخرائط الرسمية المودعة لدى المنظمات الدولية تعتبر قرينة على الموقف السيادي للدولة”.

الجدل الراهن استند أيضاً إلى خروج جنرال موريتاني سابق كشف عن تواصل سري سنة 1979 بين الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونا ولد هيدالة والملك الراحل الحسن الثاني، بخصوص إدارة المنطقة. غير أن عبد الفتاح يعلق على هذه الرواية بالقول: “وحتى بافتراض دقة هذه الرواية، فإنها تتحدث عن إدارة ظرفية في سياق حرب مفتوحة، ولا ترقى إلى نقل سيادة أو إعادة ترسيم حدود دولية”.

في المقابل، تتمسك الرباط بموقف يعتبر الكويرة جزءاً من أقاليمها الجنوبية، شأنها شأن باقي المناطق الواقعة ضمن حدود الصحراء المغربية، معتبرة أن اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991 تحت إشراف بعثة “مينورسو” لم يمس بالأساس القانوني للمطالبة المغربية، بل نظم فقط الوضع الميداني إلى حين التوصل إلى حل سياسي.

التطور المفصلي في المعادلة الميدانية جاء، وفق عبد الفتاح، مع عملية معبر الكركرات في 13 نونبر 2020، والتي “قلصت من هامش تحرك البوليساريو في المنطقة العازلة، ودفعت إلى طرح تساؤلات جديدة حول مبررات استمرار الوضع القائم في الكويرة، خاصة في ظل تراجع المخاطر المباشرة على نواذيبو”.

ومن زاوية القانون الدولي، يشدد المتحدث ذاته على أنه “يصعب توصيف الكويرة كـ’أرض متنازع عليها’ بين المغرب وموريتانيا، لغياب أي مطالبة موريتانية رسمية راهنية معلنة بها بعد 1979″، معتبراً أن “التوصيف الأدق للوضع القانوني لمنطقة الكويرة، أنها جزء من إقليم الصحراء محل النزاع بين المملكة من جهة، والجزائر والبوليساريو من جهة أخرى”.

ورغم الخصوصية الميدانية التي طبعت المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نتيجة “فراغ إداري سابق محدود مكانياً وزمانياً، وتفاهمات غير معلنة فرضتها ظروف الحرب”، فإن عبد الفتاح يحذر من أن “تحويل موضوع الكويرة إلى عنوان لصراع ثنائي مغربي-موريتاني يتعارض مع المعطيات القانونية الموثقة حتى الآن”.

ونبه عبد الفتاح إلى بُعد آخر لا يقل أهمية، إذ “يبقى أن الوضع القانوني وحده لا يكفي لفهم حساسية الملف، فالبعد الإنساني حاضر بقوة، خاصة لدى الأسر التي عاشت التهجير وفقدان الممتلكات من قاطني الكويرة”، وهو ما يطرح، بحسبه، سؤال “إعادة الإدماج والحق في العودة والاستقرار” في إطار تسوية شاملة.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو عودة الحديث داخل بعض الاوساط الموريتانية الضيقة عن “استعادة الكويرة” أقرب إلى توظيف سياسي ظرفي يتقاطع مع إيقاع المفاوضات الجارية، أكثر من كونه تعبيرا عن مراجعة رسمية لموقف ظل، منذ 1979، محدداً بسقف قانوني واضح.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
أضف تعليقكx
()
x