2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
لم تكن لحظة إلباس الملك الراحل الحسن الثاني سلهامه لخطري ولد سعيد الجماني في خريف 1975 مجرد صورة بروتوكولية، لقد كانت رسالة سياسية مشفرة؛ أحد أقوى أعيان الصحراء يضع ثقله خلف الدولة، قبيل المسيرة الخضراء، في لحظة مفصلية من تاريخ “نزاع الصحراء”.
من تلك اللحظة، لم يعد اسم الجماني مجرد لقب قبلي، بل تحول إلى علامة سياسية واقتصادية ممتدة.
وُلد خطري ولد سعيد الجماني سنة 1915 بمنطقة لخصاص، وعاش حياة الترحال بين وادنون والحدود الموريتانية، ومع بداية الخمسينيات، كان من بين الشيوخ الذين أعلنوا وفاءهم للسلطان محمد بن يوسف بعد خلعه.
في مؤتمر “أم الشكاك” سنة 1956، رفض أداء الضرائب للإدارة الإسبانية، وتزعم وفد البيعة إلى الرباط، وبعد سنوات، انتُخب رئيساً لمجلس المقاطعة في ما كان يُسمى “الصحراء الإسبانية”، وعضواً في “الكورتيس” الإسباني، قبل أن يدخل في صدام مع مدريد ويرفض التوقيع على وثيقة تؤكد ارتباط القبائل بإسبانيا.
ذلك المسار جعل منه، في شهادات معاصريه، أحد مَن “فوتوا على الاستعمار فرصة إعادة تشكيل الصحراء خارج السيادة المغربية”.
في أكادير سنة 1975، استقبل الحسن الثاني خطري استقبالاً استثنائياً، وقال له: “لم يسبق لي أن استقبلت مغربياً كما استقبلتك”، قبل أن يلبسه سلهامه أمام عدسات الإعلام.
البيعة لم تكن رمزية فقط؛ بل كانت تحولاً في ميزان القوى داخل الصحراء، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن جزءاً وازناً من النخبة القبلية اختار الاصطفاف مع الرباط.
المفارقة أن الرجل الذي وُصف في الندوات الرسمية بـ”الهرم الوطني” تحول في المخيال الشعبي إلى مادة دسمة للنكت السياسية. بساطته وتلقائيته أمام البروتوكول الملكي جعلت منه هدفاً للسخرية، في زمن كانت فيه النكتة متنفساً سياسياً.
غير أن المقربين منه كانوا يرون في تلك الصورة تبسيطاً مخلاً، مؤكدين أن الرجل كان حاد الذكاء، هادئ الطباع، ومدركاً لرمزية أدواره.
بعد مرحلة الإبل والامتداد الرعوي، دخلت العائلة زمن الاقتصاد الحديث، حيث يملك “آل الجماني” حصصاً مهمة في قطاع النقل، أبرزها مساهمة وازنة في رأسمال شركة CTM، إضافة إلى استثمارات في الصيد البحري والمحروقات والعقار، خاصة في الداخلة والعيون.
وحافظت العائلة على حضورها الانتخابي عبر أبناء وأحفاد يتوزعون على أحزاب مختلفة، من بينها حزب الأصالة والمعاصرة، ما ضمن استمرارية النفوذ داخل المؤسسات المنتخبة.
نفوذ الجماني لم يُبنَ فقط على المال أو التاريخ، بل على شبكة مصاهرات وازنة داخل الصحراء. أبرز هذه الروابط كانت مع بيت الرشيد، حيث ارتبطت العائلة بعلاقة مصاهرة مع حمدي ولد الرشيد، أحد أقوى المنتخبين في مدينة العيون.
هذا التقاطع بين البيتين عزز توازنات انتخابية معقدة، وجعل من التحالف العائلي عنصراً حاسماً في رسم الخريطة السياسية المحلية. كما نسجت العائلة علاقات قرابة ومصاهرة مع أعيان من قبائل الركيبات وبيوتات صحراوية أخرى، ما منحها عمقاً اجتماعياً يتجاوز حدود الانتماء الحزبي.
توفي خطري سنة 1993، لكن اسمه لم يغادر معادلات الصحراء. عودته الرمزية إلى الواجهة تتجدد كلما استُحضرت لحظة السلهام، أو طُرح سؤال: “من يمسك بخيوط النفوذ جنوباً؟”.
اليوم، لم تعد قصة آل الجماني تُروى فقط كحكاية شيخ بايع ملكاً، بل كقصة عائلة عرفت كيف تنتقل من شرعية المقاومة إلى شرعية الاقتصاد، ومن سلطة الخيمة إلى شبكة المصاهرة والمؤسسات.
في الصحراء، حيث تتداخل القبيلة بالدولة، ظل “آل الجماني” رقماً صعباً، ليس فقط بما تملكه العائلة، بل بما راكمته من تاريخ وعلاقات.
في الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنواصل السؤال نفسه؛ من يحكم فعلاً.. الأشخاص أم الألقاب؟