2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”.. ابن النبي شقنة بن عبد الواحد (ح14)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة14: شقنة بن عبد الواحد
في سنة 151 هـ الموافق 768 م، شهدت مناطق شرق الأندلس، وتحديدا مدينة شنت برية، بزوغ فجر ثورة مغايرة في طبيعتها، قادها رجل من أمازيغ مكناسة يدعى شقنة بن عبد الواحد. هذا الرجل الذي كان في أصله “يعلم الصبيان”، لم يكتف بدور المعلم، بل استغل رمزية اسم أمه فاطمة ليدعي نسبا مقدسا يتصل بآل البيت، وتحديدا من ولد الحسين بن علي، متخذا لنفسه اسم عبد الله بن محمد.
وسجل المؤرخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ هذا الادعاء بقوله: “وادعى أنه من ولد فاطمة، عليها السلام، ثم من ولد الحسين، عليه السلام، وتسمى بعبد الله بن محمد، وسكن شنت برية، واجتمع عليه خلق كثير من البربر، وعظم أمره”.
لم تكن مواجهة عبد الرحمن الداخل لهذا الثائر بالأمر الهين، فقد تميز شقنة بذكاء عسكري يعتمد على التحصن في المرتفعات والهرب من المواجهة المباشرة، مما استنزف طاقة الجيش الأموي لسنوات طويلة.
ويصف ابن الأثير تلك المراوغة بدقة حين يقول: “وسار إليه عبد الرحمن الأموي فلم يقف له وراغ في الجبال، فكان إذا أمن انبسط، وإذا خاف صعد الجبال بحيث يصعب طلبه”.
ورغم توالي الحملات العسكرية التي قادها الداخل بنفسه في عام 152 هـ و154 هـ، أو التي أرسل فيها قادته ومواليه مثل بدر في عام 153 هـ، إلا أن شقنة كان ينجح دائما في الإفلات، بل وتمكن في عام 155 هـ من هزيمة القائد الأموي عبيد الله بن عثمان بخديعة عسكرية أدت إلى مقتل جماعة من بني أمية ونهب عسكرهم.
واستطاع شقنة أن يبني دولة داخل الدولة، معتمدا على ولاء عقائدي صلب جعل من أتباعه يقاتلون عن إيمان لا عن مجرد عصبية. ورغم المحاولات المتكررة لعبد الرحمن الداخل، “صقر قريش”، لإخماد هذه الدعوة بالقوة العسكرية في أعوام 152 و154 هـ، إلا أن شقنة أثبت تفوقا مذهلا، محولا جبال الأندلس الوعرة إلى حصون منيعة لدعوته.
ويصف ابن الأثير صموده الأسطوري بقوله: “وسار إليه عبد الرحمن الأموي فلم يقف له وراغ في الجبال، فكان إذا أمن انبسط، وإذا خاف صعد الجبال بحيث يصعب طلبه”. بل إن شقنة استطاع في عام 155 هـ أن يكسر هيبة الأمويين حين خادع القائد عبيد الله بن عثمان وأفسد عليه جنده وغنم عسكره وقتل جماعة من بني أمية،الشيء الذي رسخ في قلوب أتباعه أنه مؤيد بقوة غير بشرية.
لم تكن “فتنة شقنة”، كما تصف المراجع التاريخية المحسوبة على الأمويين، مجرد تمرد عسكري، بل كانت حركة دينية أرهقت السلطة في قرطبة، حتى قيل إنها حازت ولاء ثلثي القبائل ونصف الأرض، وهو ما جعل المؤرخ آرنولد توينبي يرى فيها انتصارا يتجاوز المعارك الحربية.
ويبرهن لجوء عبد الرحمن الداخل في نهاية المطاف إلى سياسة الاغتيال عبر تسخير مقربين منه سنة 160 هـ (777 م)، العجز الأموي عن مواجهة هذه الدعوة في ميدان الفكر أو السيف، فكان الغدر هو السبيل الوحيد لإسقاط رجل أقام “إمارة” في جبال الأندلس لأزيد من عقد.
وبقي أثر شنقنة خالدا في الوجدان كأخطر أزمة واجهت الأمويين، حتى صار يقال: “فتنة شقنة أشد من فتنة السيوف”.