لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (15): “آل الدرهم”؛ حين تتحول الثروة إلى نفوذ والقبيلة إلى مؤسسة

في الصحراء، لا تُقاس العائلات بعدد أفرادها، بل بامتداد ظلها.

في الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة الدرهم، إحدى أبرز العائلات المنحدرة من قبيلة أيت باعمران، والتي نسجت حضورها بين المقاومة والاقتصاد والسياسة، حتى صار اسمها علامة قائمة بذاتها في الأقاليم الجنوبية.

تبدأ الحكاية مع الراحل حماد الدرهم، الذي يُقدَّم في أكثر من مرجع باعتباره من ممولي جيش التحرير في الجنوب، وأحد الأعيان الذين حملوا لواء القبيلة في لحظة مفصلية من تاريخ الصحراء.

لم يكن الرجل مجرد فاعل اقتصادي، بل كان عنوانًا لمرحلة تشكلت فيها التحالفات الكبرى بين الدولة ونخب الجنوب، في أعقاب استرجاع الأقاليم الصحراوية سنة 1975.

بعد وفاته في حادثة سير في بداية الثمانينيات، انتقلت الراية إلى أبنائه؛ دحمان، حسن، سليمان، ومنذ ذلك الحين، لم تغب العائلة عن المشهد.

إذا كانت بعض العائلات ترتبط بحزب واحد، فإن آل الدرهم اختاروا استراتيجية مختلفة؛ الحضور في أكثر من واجهة، حيث انتُخب أفراد من العائلة بألوان سياسية متعددة؛ من التجمع الوطني للأحرار إلى الحركة الشعبية، ومن التقدم والاشتراكية إلى الاتحاد الاشتراكي.

حسن الدرهم، أحد أبرز الوجوه، شغل مقعدًا برلمانيًا عن الجنوب، وفاز في محطة 2016 بمقعد عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

رقية الدرهم بدورها انتُخبت برلمانية سنة 2011، قبل أن تلتحق بالحكومة ككاتبة دولة مكلفة بالتجارة الخارجية في حكومة سعد الدين العثماني، أما سليمان الدرهم فكان بدوره وجهًا برلمانيًا في الداخلة.

تعدد “القبعات” هنا ليس مجرد تنقل حزبي، بل يعكس “براغماتية سياسية” تتقنها العائلات الكبرى في الجنوب، للبقاء داخل دوائر التأثير، أيا كان لون الحكومة.

لكن السياسة ليست سوى وجه من الحكاية، فالوجه الأثقل هو الاقتصاد.

“هولدينغ الدرهم”، المعروفة بمجموعة “أطلس صحراء”، تُعد من أكبر الفاعلين في توزيع المحروقات بالجنوب، إضافة إلى أنشطة في الصيد البحري والعقار والفلاحة تحت البيوت البلاستيكية، خاصة في الداخلة.

في سياق ما بعد 1975، اعتمدت الدولة على نخب محلية قوية اقتصاديًا لضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي في الصحراء، وكانت عائلة الدرهم من بين هذه النخب.

الثروة هنا لم تكن مجرد تراكم مالي، بل أداة نفوذ، ووسيلة لترسيخ موقع داخل معادلة الجنوب.

غير أن العائلات الكبرى لا تعيش فقط على وقع النفوذ، بل أيضًا على إيقاع التوترات الداخلية، فخلال السنوات الأخيرة خرج الخلاف العائلي إلى العلن، بعد تصريحات أدلى بها حسن الدرهم تحدث فيها عن “ضغوطات سياسية واقتصادية” تتعرض لها العائلة.

الرد جاء سريعًا من “هولدينغ الدرهم”، عبر بيان وقعه دحمان الدرهم، شدد فيه على أن تصريحات حسن “تلزمه لوحده”، وأنه سبق أن نال نصيبه من الإرث سنة 2010، ولم يعد عضوًا في المجموعة.

وتحوّل النقاش إلى سجال علني، دخل فيه أيضًا طارق الدرهم، عبر بيانات متبادلة وتصريحات إعلامية، بل وملفات معروضة أمام القضاء التجاري. وهكذا خرجت الخلافات من دائرة “البيت الداخلي” إلى المجال العمومي، في تحول يكشف أن العائلة، مهما بلغ تماسكها، تبقى بنية بشرية قابلة للاهتزاز.

عائلة الدرهم ليست مجرد اسم انتخابي، ولا مجرد مجموعة شركات، إنها نموذج لتحول القبيلة إلى مؤسسة اقتصادية-سياسية طويلة النفس.

لقد انتقلت العائلة من تمويل المقاومة إلى توزيع المحروقات، ومن مجلس القبيلة إلى مجلس الجهة، ومن دعم جيش التحرير إلى حضور دائم في المجالس المنتخبة.

في الجنوب، لا تزال الدولة تراهن على نخب محلية قوية لضبط التوازنات، وعائلة الدرهم واحدة من هذه النخب.

لكن السؤال يبقى معلقًا، كما في كل حلقات هذه السلسلة؛ هل العائلة في المغرب رافعة للاستقرار.. أم أن استقرارها الداخلي هو الشرط الأول لاستمرار نفوذها؟

وفي الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنسأل السؤال نفسه:
هل السلطة في المغرب صندوق اقتراع… أم شجرة نسب؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x