2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في الصحراء، لا تولد بعض العائلات من السلطة، بل من الزاوية. ومن حلقات الذكر، ومن قوافل الطلبة، ومن لحظات الجهاد التي تصنع التاريخ.
في الحلقة السادسة عشرة من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة ماء العينين، واحدة من أعرق العائلات العلمية والسياسية في الصحراء المغربية وبلاد شنقيط قديما، والتي جمعت بين التصوف والعلم والمقاومة، حتى صار اسمها جزءا من الذاكرة الدينية والسياسية للمنطقة.
وخلال الحلقات السابقة من هذه السلسلة توقفنا عند عائلات صحراوية وازنة مثل آل الرشيد والدرهم وبوعيدة والجماني، وهي عائلات صنعت حضورها من خلال الاقتصاد أو السياسة أو شبكات النفوذ القبلي، أما عائلة ماء العينين، فقصتها تبدأ من مكان مختلف تماما: الزاوية والعلم.
تنتسب العائلة إلى قبيلة “القلاقمة”، وهي من القبائل الشريفة التي يعود نسبها إلى الأدارسة، وقد برز اسمها مع الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل (1830 ـ 1910)، الشخصية المؤسسة لمجد هذه الأسرة.
كان الشيخ ماء العينين عالما موسوعيا وقطبا صوفيا، ترك مئات المؤلفات في الفقه والتصوف واللغة، لكنه لم يكن مجرد فقيه منعزل في زاويته، بل كان أيضا فاعلا سياسيا في زمن التحولات الكبرى التي عرفتها الصحراء نهاية القرن التاسع عشر.
وفي سنة 1898 أسس الشيخ ماء العينين مدينة السمارة في قلب الصحراء، لتكون مركزا علميا ودينيا كبيرا وقاعدة لتنظيم المقاومة ضد التوسع الاستعماري الفرنسي والإسباني، وسرعان ما تحولت المدينة إلى قبلة لطلاب العلم وإلى فضاء يجمع بين التعليم الديني والتعبئة السياسية.
ومن داخل السمارة نشأت الزاوية التي أصبحت قبلة لطلاب العلم من مختلف مناطق الصحراء والمغرب العربي، وضمت مكتبة ضخمة اعتبرها بعض الباحثين من أهم المكتبات في شمال إفريقيا في ذلك الزمن.
لم تكن الزاوية مجرد مؤسسة دينية، بل كانت أيضا فضاء سياسيا واجتماعيا، إذ ارتبط الشيخ ماء العينين بعلاقات وثيقة مع سلاطين المغرب، خصوصا السلطان المولى الحسن الأول ثم السلطان المولى عبد العزيز، الذين اعتبروه خليفتهم في الأقاليم الجنوبية.
بهذا المعنى، لعبت العائلة دور الوسيط بين المخزن والقبائل الصحراوية، في نموذج تاريخي كانت فيه الزوايا إحدى أدوات تثبيت النفوذ السياسي في الأطراف البعيدة للدولة.
لكن الدور الأبرز للعائلة سيبرز مع المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، فبعد وفاة الشيخ ماء العينين سنة 1910، واصل أبناؤه الكفاح، وكان أبرزهم أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين، الذي اشتهر بلقب “السلطان الأزرق”.
في تلك اللحظة التاريخية المضطربة، بايعته قبائل الصحراء وسوس سلطانا للجهاد، ودخل مدينة مراكش سنة 1912 قبل أن يتراجع بعد معركة سيدي بوعثمان الشهيرة ضد القوات الفرنسية.
إلى جانب أحمد الهيبة، برز أيضا شقيقه مربيه ربه، الذي واصل قيادة المقاومة في الجنوب المغربي، خاصة في مناطق سوس وتيزنيت، واستمر في القتال لسنوات طويلة.
كما لعب أبناء آخرون من العائلة أدوارا مختلفة، مثل محمد الإمام بن الشيخ ماء العينين الذي اهتم بتدبير شؤون الزاوية والحفاظ على التراث العلمي للعائلة، والشيخ النعمة الذي كان من أبرز القادة الميدانيين في مواجهة التغلغل الاستعماري.
هكذا تحولت عائلة ماء العينين إلى ما يشبه مدرسة تاريخية تجمع بين العلم والجهاد والتصوف، حيث امتزجت الشرعية الدينية بالرمزية السياسية.
اليوم، وبعد أكثر من قرن على وفاة الشيخ المؤسس، لا يزال اسم العائلة حاضرا في المجال العام، سواء في الحياة السياسية أو في العمل الدبلوماسي والثقافي والبحث العلمي.
فبعض أفرادها يشغلون مناصب داخل مؤسسات الدولة، بينما يواصل آخرون الاهتمام بإحياء التراث العلمي والروحي للزاوية المعينية.
في الصحراء، حيث تختلط الذاكرة الدينية بالتاريخ السياسي، تبدو عائلة ماء العينين نموذجا مختلفا عن كثير من العائلات النافذة.. نفوذ بدأ من الكتاب والمحراب، قبل أن يصل إلى المجال العام.
لقد انتقلت العائلة من الزاوية إلى المقاومة، ومن حلقات العلم إلى صفحات التاريخ، لتصبح واحدة من أبرز السلالات التي طبعت الذاكرة السياسية والدينية للصحراء.
لكن السؤال يبقى معلقا، كما في كل حلقات هذه السلسلة؛ هل العائلة في المغرب رافعة للنفوذ.. أم أن النفوذ نفسه مجرد امتداد لشجرة نسب؟
وفي الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنسأل السؤال نفسه؛ هل السلطة في المغرب صندوق اقتراع… أم شجرة نسب؟