لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. سامي الجاي حين سقط صوت الميكروفون في صمت الجريمة

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم:

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت مدينة طنجة تعيش زمناً مختلفاً؛ مدينة مفتوحة على العالم، تعج بالمثقفين والصحافيين والفنانين. وفي قلب هذا المشهد الإعلامي كان اسم سامي الجاي يلمع بقوة. صوته الإذاعي المميز جعله أحد أشهر المذيعين في تلك الفترة، حتى قيل إن الميكروفون لم يعرف منافساً له. لكن خلف ذلك الصوت الهادئ كانت تختبئ قصة أكثر ظلمة، قصة ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للصدمة في تاريخ المدينة.

وُلد سامي الجاي سنة 1944 في باريس لأب مغربي يُدعى إدريس الجاي وأم فرنسية اسمها جاكلين. عاش سنواته الأولى في فرنسا، قبل أن يقرر والده بعد استقلال المغرب العودة إلى الوطن والاستقرار في الرباط. هناك نشأ سامي بين ثقافتين مختلفتين، ووجد طريقه مبكراً نحو الصحافة. درس هذا المجال وبدأ مسيرته المهنية في جريدة “لوبينيون” الناطقة بالفرنسية، حيث قضى سنوات طويلة يكتب ويصقل تجربته الإعلامية.

مع بداية الثمانينيات، انتقل إلى محطة جديدة في حياته المهنية عندما التحق بإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية “ميدي1”. كانت تلك الخطوة نقطة تحول كبيرة، إذ انتقل مع زوجته وطفلهما إلى طنجة، المدينة التي ستصبح مسرحاً لأهم فصول حياته. استقر في شقة بحي جنان مرشان، وبدأ يلمع نجمه كمذيع بارع يمتلك حضوراً قوياً خلف الميكروفون. كان صوته مألوفاً لدى آلاف المستمعين، حتى أن الملك الراحل الحسن الثاني كان من بين المعجبين بأسلوبه الإذاعي.

صوت يلمع في العلن.. وظِلٌ يتشكل في الخفاء

خارج الاستوديو، كان سامي رجلاً متعدد المواهب. كان يرسم، ويعزف الموسيقى، ويكتب الشعر أحياناً. لكن حياته الخاصة لم تكن مستقرة كما قد يبدو من الخارج. فقد كان يعاني إدمان الكحول إلى درجة كبيرة، وهو ما تسبب في توتر دائم داخل بيته. زوجته، التي كانت معروفة بشخصيتها القوية، لم تكن تقبل هذا السلوك بسهولة، وكانت الخلافات بينهما تتكرر بشكل مستمر.

كان الجيران يسمعون أحياناً أصوات الشجار، كما أن بعض تلك الخلافات كانت تصل حتى إلى مقر الإذاعة، حين تأتي الزوجة غاضبة وتعاتب زوجها أمام زملائه. ومع مرور الوقت أصبحت تلك المشاحنات جزءاً من الحياة اليومية للعائلة، حتى أن الأطفال اعتادوا على رؤية والديهم يتجادلان.

في عام 1984 وقع الحدث الذي سيغير كل شيء. في أحد الأيام، كان سامي يخطط لزيارة والدته مع أطفاله. أخذهم بالفعل وترك زوجته في المنزل بعد نقاش حاد بينهما. وعندما عاد لاحقاً لم يجدها في الشقة. مرت ساعات ثم أيام دون أن تظهر، فبدأت قصة الاختفاء الغامض. توجه سامي إلى الشرطة وأبلغ عن غياب زوجته، كما حاول عبر الإذاعة توجيه نداءات لمن يعرف مكانها.

مرت الشهور دون أي خبر. ثم بدأت والدة الزوجة تتلقى رسائل قادمة من فرنسا، تحمل توقيع ابنتها. كانت الرسائل تقول إنها غادرت المغرب وبدأت حياة جديدة بعيداً عن زوجها. في ذلك الزمن، كانت الرسائل البريدية وسيلة التواصل الأساسية، وقد تستغرق شهوراً لتصل. لذلك بدت القصة معقولة في البداية، وهدأت مخاوف العائلة قليلاً.

لكن شيئاً ما لم يكن طبيعياً. فمع مرور السنوات لاحظت الأم أن الرسائل تخلو تماماً من أي سؤال عن أطفالها. أربع سنوات مرت دون أن تسأل أم عن أبنائها ولو مرة واحدة. هنا بدأ الشك يتسلل إلى قلبها، فقررت إعادة فتح الملف لدى السلطات.

أُعيد التحقيق في القضية، وجاء محقق شاب إلى طنجة لإعادة فحص التفاصيل. بدأ باستجواب سامي وزملائه في العمل، ثم توجه إلى أفراد العائلة. كانت القطعة الأولى من اللغز تأتي من الطفل الأكبر، الذي تذكر مشهداً غريباً من يوم اختفاء والدته: قال إن والده عاد إليهم يومها بملابس ممزقة وعليها بقع دم، مدعياً أنه تشاجر مع زوجته.

ذلك الخيط قاد المحقق إلى الشقة نفسها. وهناك لاحظ شيئاً غير مألوف في شرفة المنزل: حديقة صغيرة مرتفعة مليئة بالنباتات، بناها سامي بنفسه بعد اختفاء زوجته مباشرة، ولم يكن يترك أحدا يقترب منها ويعتني بها هو فقط. 

كان سامي يولي عناية خاصة بالحديقة الصغيرة، حتى بدت وكأنها عالمه الخاص وسط صخب المدينة. كان يسقي نباتاتها بنفسه ويرفض أن يقترب منها أحد. ومع حلول المساء، كان يقف هناك حاملاً غيتاره، يغني ويدندن بالأغاني الفرنسية التي يحبها، مردداً أحياناً عبارة ظل يكررها أمام أصدقائه: “الخطأ ليس مني… بل منك.” ولم يكن أحد يدرك آنذاك أن تلك الحديقة الهادئة تخفي سراً مظلماً تحت تربتها.

أثار تفاصيل تعامل سامي مع الحديقة شكوك المحقق، فحصل على إذن بتفتيش المكان. وما إن بدأ العمال الحفر حتى ظهرت أكياس بلاستيكية مدفونة في التربة. داخلها كانت بقايا عظام بشرية.

في تلك اللحظة انكشف السر الذي ظل مخفياً لسنوات. اعترف سامي لاحقاً بأن شجاراً عنيفاً اندلع بينه وبين زوجته في المطبخ، وأن دفعة قوية أسقطتها على حافة الرخام، فأردتها قتيلة. بدلاً من الإبلاغ عن الحادث، قرر إخفاء الجثة. قطعها إلى أجزاء ودفنها في شرفة المنزل، ثم بنى فوقها حديقة صغيرة ليخفي آثار الجريمة.

اهتزت طنجة كلها عندما كُشفت الحقيقة. الرجل الذي عرفه الناس صوتاً هادئاً عبر الإذاعة أصبح فجأة بطلاً لجريمة صادمة. حُكم عليه بالسجن المؤبد سنة 1989، لكنه قضى سنواته في السجن بشكل مختلف؛ علّم السجناء القراءة والكتابة، ورسم لوحات فنية، بل وأسس إذاعة داخل السجن.

وفي عام 2001 حصل على عفو ملكي بعد اثني عشر عاماً خلف القضبان. خرج من السجن وعاد إلى العمل الإعلامي مرة أخرى في القناة الثانية ثم إذاعة أطلنتيك ومؤسسات أخرى، وكأن حياته بدأت فصلاً جديداً. لكن القصة التي هزت طنجة بقيت حاضرة في ذاكرة المدينة، شاهدة على مفارقة غريبة: كيف يمكن لصوتٍ صنع مجده عبر الميكروفون أن يخفي وراءه سراً بهذا الثقل.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x