لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (20): “آل الراضي”؛ حين يتحول الغرب إلى إمبراطورية انتخابية

في المغرب، قد تتغير الأحزاب وتتبدل الشعارات، لكن بعض الأسماء العائلية تظل ثابتة في الجغرافيا السياسية للبلاد.

وفي منطقة الغرب- بين سيدي سليمان وسيدي يحيى- يكاد اسم عبد الواحد الراضي وإدريس الراضي يتحول إلى عنوان لمرحلة كاملة من التاريخ الانتخابي والاقتصادي للمنطقة، امتدت لأكثر من نصف قرن.

في الحلقة العشرين من سلسلة “العائلات الكبرى”، نقترب من عائلة الراضي، واحدة من تلك الأسر التي جمعت بين السياسة والأرض والانتخابات، حتى صار حضورها في الغرب يشبه ما يشبه “نظاما محليا” قائما بذاته.

القصة تبدأ من جيل الآباء، مع الحاج الغازي الراضي، الذي وضع اللبنات الأولى لنفوذ العائلة الفلاحي في سهل الغرب، مستفيدا من خصوبة الأرض واتساع المجال الزراعي في المنطقة، لكن التحول الحقيقي جاء مع الجيل الثاني، حين دخل الأبناء إلى السياسة.

أبرز هؤلاء كان عبد الواحد الراضي، أحد الوجوه التاريخية في حزب الاتحاد الاشتراكي وقبله الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأحد رموز الحركة الاتحادية التي خرجت من رحم المعارضة اليسارية في ستينيات القرن الماضي.

فالرجل لم يكن مجرد برلماني عابر، لقد تحول مع مرور السنوات إلى “شيخ البرلمانيين”، وأقدم برلماني في العالم، بعد أن قضى عقودا طويلة داخل المؤسسة التشريعية، وتولى رئاسة مجلس النواب لسنوات عديدة، كما شغل منصب وزير العدل.

في السياسة الوطنية كان عبد الواحد الراضي رجل توازنات، يجيد التحرك داخل المناطق الرمادية في العلاقة بين المعارضة والدولة، حيث كان حضوره يتجاوز السياسة إلى ما يشبه الزعامة المحلية.

في الجهة الأخرى من العائلة، برز إدريس الراضي، والذي تتضارب الاقاويل حول طبيعة النسب الذي يربطه بعبد الواحد بالضبط، والذي اختار مسارا مختلفا قليلا.

فبينما ظل عبد الواحد وفيا للاتحاد الاشتراكي، اختار إدريس الراضي الانتماء إلى حزب الاتحاد الدستوري، الحزب الليبرالي المعروف برمزه الانتخابي “الحصان”.

هذا التوزع الحزبي لم يكن صدفة سياسية، بل بدا في نظر كثيرين نوعا من توزيع الأدوار داخل العائلة نفسها.

فالسياسة هنا لم تكن فقط صراعا إيديولوجيا بين اليسار واليمين، بل أيضا إدارة دقيقة لنفوذ محلي واسع، يمتد من البرلمان إلى الغرف الفلاحية إلى الجماعات الترابية.

في تلك المنطقة من سهل الغرب، ارتبط اسم العائلة أيضا بامتلاك مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية، فالأرض هنا ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل جزء من معادلة السلطة المحلية.

ولسنوات طويلة، كانت هذه الأراضي موضوع جدل ونزاعات، خاصة حين تعلق الأمر بـ”الأراضي السلالية”، التي يدبرها القانون تحت وصاية وزارة الداخلية ويستفيد منها “ذوو الحقوق” المنتمون للجماعات القبلية.

في أكثر من مناسبة، خرجت احتجاجات محلية تتهم العائلة بالسيطرة على مساحات من هذه الأراضي، وفي المقابل، كان أفراد العائلة ينفون تلك الاتهامات ويعتبرونها جزءا من الصراع السياسي في المنطقة.

ومع مرور الزمن، لم يتوقف نفوذ العائلة عند جيل عبد الواحد وإدريس، فقد ظهر جيل ثالث حاول أن يرث هذا الموقع داخل الخريطة الانتخابية.

من أبرز هؤلاء ياسين الراضي، نجل إدريس الراضي، الذي دخل مبكرا إلى السياسة المحلية، وتولى رئاسة المجلس الجماعي وقبل ذلك الإقليمي لسيدي سليمان، كما فاز بمقعد برلماني وهو في سن مبكرة نسبيا، قبل ان يُرغم على المغادرة من جميع المناصب تحت وقع فضائح قضائية”، بالاضافة الى سعيد الراضي الذي يشغل حاليا منصب رئيس جماعة قروية بالاقليم.

وفي السنوات الأخيرة، دخلت العائلة مرحلة أكثر تعقيدا، مع توالي المتابعات القضائية المرتبطة بملفات تدبير الشأن المحلي ووثائق عقارية.

وفي سنة 2025، أدين إدريس الراضي، العضو السابق بمجلس المستشارين، ابتدائيا بأربع سنوات سجنا نافذا في ملف يتعلق بتزوير وثائق مرتبطة بتفويت أراض جماعية، وهي القضية التي ما تزال فصولها القضائية تثير نقاشا واسعا في المنطقة.

كما وجد ياسين الراضي نفسه في قلب صراعات سياسية وقانونية انتهت بقرار عزله من رئاسة جماعة سيدي سليمان ومن البرلمان.

وهكذا، تبدو قصة عائلة الراضي وكأنها تختصر مسارا كاملا من تاريخ السلطة المحلية في المغرب.. من زمن الزعامات القروية التي تبني نفوذها على الأرض والانتخابات، إلى زمن القضاء والصراع على الشرعية السياسية.

بعد وفاة عبد الواحد الراضي سنة 2023، خفت حضور العائلة، لكن اسمها لا يزال حاضرا بقوة في ذاكرة السياسة المحلية بالغرب، ولها تأثير في تطورات الأحداث الى الآن.

هناك، حيث تختلط الأرض بالانتخابات، والقبيلة بالحزب، والاقتصاد بالسلطة، تبدو العائلات السياسية أشبه بمؤسسات غير مكتوبة في الدستور، لكنها فاعلة في الواقع.

وفي الحلقة المقبلة من هذه السلسلة، نقترب من عائلة أخرى لنطرح السؤال نفسه؛ هل تصنع السياسة في المغرب داخل الأحزاب.. أم داخل العائلات؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x