2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، لا تُبنى المكانة دائماً بالمال أو بالسياسة وحدهما، فأحياناً يكفي أن يكون الاسم العائلي مرتبطاً بالعلم، حتى يتحول إلى رأسمال رمزي يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل.
وهذا بالضبط ما حدث مع عائلة الكتاني، واحدة من أشهر البيوتات الفاسية التي جمعت بين النسب الشريف والعلم الديني والنفوذ الاجتماعي.
تعود أصول العائلة إلى النسب الإدريسي الحسني، حيث ينسب الكتانيون إلى ذرية إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر، ومنه إلى السيدة فاطمة الزهراء والرسول محمد، وفق عدد من المراجع.
ويقال إن لقب “الكتاني” ارتبط بجدهم يحيى الثالث، الذي عُرف بهذا الاسم، سواء بسبب مقامه في سوق الكتان أو لزهد أتباعه في اللباس.
لكن ما منح العائلة مكانتها في التاريخ المغربي لم يكن النسب وحده، بل التحول المبكر إلى “بيت علم”، فمنذ قرون، ارتبط اسم الكتانيين بجامعة القرويين في فاس، حيث تعاقب منهم عشرات العلماء والفقهاء والمحدثين، حتى صار اسم العائلة مرادفاً للمعرفة الدينية التقليدية.
في نهاية القرن التاسع عشر، ستدخل العائلة مرحلة جديدة من التأثير، حين أسس الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني الطريقة الكتانية، ولم تكن مجرد زاوية صوفية، بل فضاءً دينياً واجتماعياً لعب دوراً سياسياً واضحاً في زمن كانت فيه البلاد تواجه ضغوط القوى الاستعمارية.
في تلك المرحلة، سيبرز اسم الشيخ نفسه كأحد الأصوات الدينية المعارضة للتدخل الأجنبي، فقد قاد سنة 1908 حركة “البيعة المشروطة” للسلطان عبد الحفيظ، مطالباً بإصلاحات سياسية وبمواجهة النفوذ الفرنسي، وهي الخطوة التي كانت غير مسبوقة في تاريخ البيعة بالمغرب، لكنها انتهت بصدام مع السلطة المركزية.
غير أن مسار العائلة لم يكن على خط سياسي واحد، فداخل نفس البيت، برزت مواقف متناقضة تعكس تعقيد المشهد المغربي في زمن الحماية.
أحد أبرز هذه الوجوه كان عبد الحي الكتاني، العالم والمؤرخ الذي امتلك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في المغرب، المعروفة بـ“الخزانة الكتانية”، والذي ارتبط اسمه أيضاً بموقف سياسي مثير للجدل، بعد وقوفه في صف الإدارة الفرنسية خلال أزمة 1953 التي انتهت بنفي السلطان محمد الخامس.
ذلك الانقسام داخل العائلة يعكس مفارقة تاريخية: نفس البيت الذي خرج منه دعاة المقاومة، خرجت منه أيضاً شخصيات اختارت طريقاً مختلفاً في التعامل مع السلطة الاستعمارية.
ورغم تلك التحولات، ظل الرأسمال العلمي للعائلة قائماً، فقد أنجبت أسماء بارزة في الفكر والحديث والتاريخ، من بينها محمد بن جعفر الكتاني، صاحب كتاب “الرسالة المستطرفة”، ومحمد المكي الكتاني الذي هاجر إلى دمشق وأصبح هناك رئيساً لرابطة العلماء، مؤسساً جسراً علمياً بين فاس والمشرق.
ولم يتوقف حضور العائلة عند المجال الديني، ففي المغرب المعاصر، يظهر اسم محمد الكتاني كأحد أبرز وجوه الاقتصاد، بصفته الرئيس المدير العام لمجموعة “التجاري وفا بنك”، أكبر مجموعة مصرفية في البلاد، بينما يبرز عمر الكتاني كخبير اقتصادي وأستاذ جامعي معروف بكتاباته حول الاقتصاد الإسلامي والعدالة الاجتماعية.
بهذا المعنى، تبدو عائلة الكتاني نموذجاً لبيت علمي نجح في إعادة إنتاج نفسه داخل سياقات مختلفة.. من حلقات القرويين، إلى الزوايا الصوفية، ثم إلى الجامعات والبنوك والمؤسسات الحديثة.
ففي مدينة مثل فاس، حيث تلتقي الأرستقراطية العلمية بالسلطة السياسية، يصبح الاسم العائلي أكثر من مجرد لقب، إنه تاريخ كامل من الشبكات والرموز والذاكرة.
ولهذا، حين يُذكر اسم الكتاني في المغرب، لا يُستحضر فقط نسب إدريسي أو مكتبة ضخمة أو زاوية صوفية، بل يُستحضر أيضاً سؤال قديم يتكرر في تاريخ النخب المغربية: هل النفوذ يولد من السلطة أم من العلم؟
في الحلقة المقبلة، نقترب من عائلة أخرى، لنسأل السؤال نفسه: هل السلطة في المغرب صندوق اقتراع… أم شجرة نسب؟