2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
“أنبياء المغرب”.. زمور بن موسى: مبلغ وحي “النبوة البرغواطية” في الأندلس (ح23)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة 23: زمور بن موسى
كان زمور بن موسى بن هشام، حاكم أسفي ولسان حال برغواطة، المبلغ عن “النبوة المدعاة” في بلاد تامسنا، و”المحامي” الذي ذاد عن معتقدات قومه في حضرة الخلافة بقرطبة سنة 352 هـ.
لم يكن زمور مجرد حاكم سياسي، بل كان “الداعية” الذي صاغ بذكائه الفذ المشروع الروحي لدولة برغواطة، مستخدما وقاره وهيبته لإقناع سامعيه بأن ما نزل على صالح بن طريف هو وحي إلهي بلغة القوم، وهو ما خلده أبو عبيد البكري في “المسالك والممالك” (ص 370) كوثيقة إيمانية فريدة.
يذكر البكري في ”المسالك والممالك” أنه وفد على الخليفة الحكم المستنصر، وهو وفود “سفير” يحمل رسالة دولة وقضية دينية. في تلك الحقبة، لم يكن يرسل للبلاطات العظمى كقرطبة إلا من اجتمعت فيه “السيماء” (الوقار الذي ترمز له اللحية في الأدبيات التاريخية) و”الحصافة” (الذكاء)، لضمان عدم إهانة الدولة المرسلة.
يصف البكري زمور بأنه “تكلم لهم في ذلك كلاما كثيرا”، ونسب آراءه لمصادر متنوعة (موسى الكليم، سطيح الكاهن، ابن عباس). هذا “الحشد الاستدلالي” الذي ساقه زمور، وقدرته على المنافحة عن ديانة “برغواطة” في بيئة سنية متشددة كالأندلس دون أن يفقد هيبته، هو الدليل القاطع على ذكائه الحاد وقدرته على “التنظير السياسي” الذي جعل البكري والخليفة من قبله يصغون إليه ويدونون أقواله بدقة (البكري).
تجلت عبقرية زمور الدينية في قدرته على انتزاع الشرعية من قلب النص القرآني، حيث جادل بقوة بأن صالح بن طريف هو “صالح المؤمنين” الذي بشّر به الله في سورة التحريم، واضعا بذلك أساسا لاهوتيا يربط بين معتقدات برغواطة والإسلام السني (حسب البكري دائما)).
وبحسب رواية زمور، فإن هذا ”النبي” لم يكن مجرد قائد محلي، بل هو “المهدي الأكبر” الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال، والذي سيكون عيسى بن مريم عليه السلام من أصحابه ويصلي خلفه، وهي رؤية مهدوية متكاملة نقلها زمور ببيان ساحر ليجعل من برغواطة مركزاً للخلاص الروحي العالمي.
أمعن زمور في إضفاء القدسية على هذه الدعوة عبر الحشد اللغوي لأسماء “النبي صالح”، فزعم أن اسمه في الغيب وفي ألسنة الأنبياء يتعدد بتعدد الأمم، فهو “ورياورى” بالأمازيغية، و”وربيا” بالعبرانية، و”مالك” بالسريانية (البكري، ص نفس المرجه).
هذا التنظير الذي ساقه زمور لم يكن عبثا، بل كان انتصارا للهوية الدينية الأمازيغية، حيث جعل “اللسان البربري” وعاء للوحي والخاتمية، مدعيا أن اسم صالح بالأعجمية هو “العالم” وبالأمازيغية “الذي ليس بعده شيء”، في إشارة إلى ختم الرسالة بصبغة قومية مغربية.
ولم يقف زمور عند حدود التبشير، بل نقل الجانب التشريعي والجهادي لهذه النبوة، حيث وثق عهود صالح لابنه إلياس بضرورة كتمان “الدين” ريثما تقوى الشوكة، ممارسا بذلك أرقى درجات التقية السياسية (البكري).
كما انتصر زمور للجانب الحزمي في هذه الديانة، بنقله أخبار يونس بن إلياس الذي جرد السيف لنشر “الملة” وتطهير الأرض من المخالفين، معتبرا تلك الدماء قربانا لتثبيت أركان النبوة المزعومة (البكري، نفس المرجع ص371).