لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (24): “آل العراقي”؛ حين تعبر سلالة من كربلاء إلى فاس لتصنع بيتاً في العلم والدولة

في المغرب، لا تصنع المكانة دائماً بالثروة أو السياسة وحدهما، فأحياناً تبنيها القرون الطويلة من العلم والقضاء والخدمة داخل مؤسسات الدولة.

في هذه الحلقة من سلسلة “عائلات المغرب” نقترب من “آل العراقي”، واحدة من العائلات الفاسية التي تجمع بين نسب مشرقي قديم وحضور متواصل في الحياة العلمية والسياسية بالمغرب.

هي عائلة تندرج ضمن ما يسميه مؤرخو المدينة “بيوتات فاس الكبرى”؛ تلك الأسر التي شكلت عبر القرون النخبة الدينية والإدارية للمدينة، وأسهمت في صياغة جزء من تاريخها العلمي والسياسي.

بحسب كتب الأنساب المغربية، ينتمي “آل العراقي” إلى الأشراف الحسينيين، أي إلى نسل الإمام الحسين بن علي، عبر الفرع الموسوي المنحدر من الإمام موسى الكاظم.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن جذور العائلة تعود إلى العراق، وبالتحديد إلى منطقة الحيرة وكربلاء، حيث كان أجدادها يعرفون بـ”آل نافس” قبل أن ينتقل أحد أجدادهم إلى المغرب.

وتذكر بعض الروايات أن جدهم الأعلى محمد الهادي بن أبي القاسم بن نافس قدم إلى مدينة فاس خلال العصر المريني، ليحمل معه نسباً مشرقياً استقر لاحقاً في قلب المدينة العتيقة.

ومنذ ذلك الحين صار لقب “العراقي” علامة تعريف للعائلة، في إشارة إلى موطنها الأصلي القادم من بلاد الرافدين.

مع مرور الزمن، أصبحت العائلة جزءاً من النخبة التقليدية لفاس، وهي الطبقة التي جمعت بين العلم الديني والوظائف القضائية والإدارية.

ويشير كتاب “زهر الآس في بيوتات أهل فاس” لعبد الكبير الكتاني إلى عدد من الأسر التي لعبت دوراً محورياً في الحياة العلمية للمدينة، ومن بينها أسر ذات أصول مشرقية استقرت بفاس وأصبحت جزءاً من نسيجها الاجتماعي.

كما يورد كتاب “الدر النفيس فيمن بفاس من بني محمد بن إدريس” إشارات إلى الأسر الشريفة التي استوطنت المدينة وأسهمت في مؤسساتها الدينية والعلمية.

في تلك البيئة، برز أبناء آل العراقي كعلماء وفقهاء وقضاة، وتولى بعضهم مناصب مرموقة داخل الجهاز القضائي التقليدي، وعلى رأسها منصب قاضي الجماعة الذي كان يعد أعلى منصب قضائي في المغرب آنذاك.

ارتبط اسم العائلة أيضاً بجامعة القرويين، التي ظلت عبر قرون مركزاً للعلم في العالم الإسلامي.

داخل هذه المؤسسة، شغل عدد من علماء الأسرة كراسي التدريس في الفقه المالكي وعلوم الحديث واللغة العربية، وأسهموا في تكوين أجيال من الطلبة والعلماء.

كما احتفظت العائلة عبر الأجيال بمخطوطات ووثائق علمية نادرة، تشهد على تقاليد علمية راسخة داخل هذا البيت الفاسي.

من بين أبرز أعلام الأسرة في المجال العلمي عبد الله بن محمد العراقي الحسيني، صاحب كتاب “مطلع الإشراق في نسب الشرفاء الواردين من العراق”.

ويعد هذا العمل من أهم الكتب التي تناولت هجرات الأشراف من المشرق إلى المغرب، كما تحول إلى مرجع أساسي للباحثين في الأنساب والتاريخ الاجتماعي.

كما برز أيضاً أحمد بن محمد العراقي، أحد علماء فاس في القرن التاسع عشر، الذي عُرف بفقهه في المذهب المالكي وتوليه منصب قاضي الجماعة، وهو منصب يعكس المكانة العلمية التي حظيت بها العائلة في المدينة.

ومع دخول المغرب مرحلة الدولة الحديثة بعد الاستقلال، انتقل حضور العائلة من المجال الديني والعلمي إلى المجال السياسي والإداري.

ويبرز في هذا السياق اسم عز الدين العراقي، الذي يعد أشهر شخصية سياسية من هذه الأسرة في المغرب المعاصر.

ولد سنة 1929، ودرس العلوم الفيزيائية قبل أن يتجه إلى العمل الحكومي، حيث تولى وزارة التربية الوطنية وكان أحد مهندسي سياسة تعريب التعليم.

وفي سنة 1986 عينه الملك الحسن الثاني وزيراً أول، ليقود الحكومة المغربية إلى غاية سنة 1992، في مرحلة اقتصادية واجتماعية معقدة.

لاحقاً سيواصل مساره الدولي عندما انتخب أميناً عاماً لـ منظمة التعاون الإسلامي بين سنتي 1997 و2000، ليصبح أحد أبرز الدبلوماسيين المغاربة في تلك الفترة.

في العقود الأخيرة، حافظت العائلة على حضورها داخل النخبة المغربية، لكن هذه المرة عبر مسارات أكاديمية ومهنية مختلفة.

برز من أبنائها أساتذة جامعيون وباحثون في التاريخ والأدب، من بينهم الأكاديمي إدريس العراقي، إضافة إلى أطباء ومهندسين يشغلون مواقع متقدمة داخل المؤسسات العمومية والخاصة.

هذا التحول يعكس انتقال العائلة من نموذج “بيت العلماء والقضاة” إلى نموذج النخبة التعليمية الحديثة، دون أن تفقد جذورها داخل تقاليد فاس العلمية.

بهذا المعنى، تبدو عائلة العراقي نموذجاً آخر من نماذج النخب المغربية التي تشكلت عبر التاريخ.

هي عائلة بدأت برحلة نسب من العراق إلى فاس، ثم اندمجت في الأرستقراطية العلمية للمدينة، قبل أن تجد طريقها لاحقاً إلى مؤسسات الدولة الحديثة.

من حلقات التدريس في القرويين إلى رئاسة الحكومة، ظل اسم العائلة حاضراً في أكثر من مجال، في مسار طويل يختلط فيه العلم بالسياسة والتاريخ الاجتماعي.

وفي الحلقة المقبلة من سلسلة “عائلات المغرب” نقترب من عائلة أخرى لنطرح السؤال نفسه؛ هل تصنع النخبة في المغرب عبر شجرة نسب قديمة.. أم عبر أجيال من الاستثمار في العلم والسلطة؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
عراقي عبدلاله من مكناس
المعلق(ة)
15 مارس 2026 16:03

حفظ آلله العائلة الشريفة العراقية في المغرب وخارجها……..

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x