2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تضخم النزعة الامتحانية: حين تتحول النقطة إلى “عملة” للمماكسة التربوية
المصطفى مرادي
واجه نموذجنا البيداغوجي الحالي عطبًا بنيويًا يتمثل في تضخم النزعة الامتحانية، حيث أضحى الفعل التربوي برمته يتمحور حول “النقطة” باعتبارها الهدف الأسمى للعملية التعليمية. ونتيجة لهذا الانحراف، بتنا نعيش حالة من تضخم المعدلات تماثل، من حيث الدلالة، التضخم في المجال الاقتصادي؛ إذ فقدت النقطة جزءًا من قيمتها المعيارية، وأصبح الحاصل على ميزة “حسن جدًا” (16/20 فما فوق) يتقاطع في مسار الولوج إلى بعض الكليات مع أصحاب ميزة “مقبول”، وهو ما يعكس أزمة حقيقية في صدقية التقويمات، سواء الإشهادية منها أو الداخلية.
تحول الوعي الأسري: انتقل السؤال الجوهري داخل عدد من الأسر المغربية من “ماذا تعلمت اليوم؟” إلى “كم حصلت من نقطة؟”. وهو تحول عميق نقل عملية التقييم من محطة بيداغوجية ضمن دورة التعلمات (تعلم – تقييم – دعم) إلى فضاء للمماكسة والمساومة بين المتعلم والمدرس. ونتيجة لذلك، أُخضع المدرسون لتصنيفات سيكولوجية واجتماعية بعيدة عن معيار الكفاءة المهنية، حيث يتم تقسيمهم إلى مدرس “مرن” (يتساهل في النقاط) ومدرس “صارم” (يلتزم بالمعايير).
الاستثمار النفعي في النقطة: وفي منحى أكثر خطورة، تحولت نقط المراقبة المستمرة لدى البعض إلى وسيلة لـ”شراء السلم الاجتماعي” داخل الفصول الدراسية، أو أداة لشرعنة ما يعرف بـ “الزرورة” (المبالغ المالية التي تُدفع مقابل حصص إضافية يقدمها أحيانًا مدرس الفصل نفسه). إن هذا الارتباط الملتبس بين النقطة والدروس الخصوصية يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص ويقوض الأمانة العلمية والأخلاقية للمهنة التربوية.
تساؤلات السياسة التربوية: أمام هذا الوضع، يبرز سؤال ملح حول الجدوى من استمرار اعتماد نقط المراقبة المستمرة في المستويات الإشهادية. فما الذي يمكن أن يحدث لو تم الرجوع إلى النموذج الذي كان سائدًا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والقائم أساسًا على الامتحانات الموحدة باعتبارها الفيصل الرئيس في التقويم؟ ولعل القرار الذي اتخذته الوزيرة السابقة سمية بنخلدون بإلغاء اعتماد نقط المراقبة المستمرة في انتقاء ولوج كليات الطب ومدارس الهندسة – وهو القرار الذي ما يزال معمولًا به – يمثل اعترافًا ضمنيًا من المؤسسة الرسمية بإشكالية ثبات هذه النقط وموضوعيتها في قياس الاستحقاق الفعلي.
إن استعادة هيبة المدرسة العمومية تقتضي بالضرورة تحرير العقل التربوي من طغيان النقطة، وإعادة الاعتبار للتعلم باعتباره قيمة معرفية وتكوينية تتجاوز مجرد الحشو المعرفي أو المماكسة الرقمية.
باحث في قضايا التربية والتعليم
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.