2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، ثمة قاعدة غير مكتوبة يؤمن بها الكثيرون تقول: “إذا أردت أن تمسك بمفاتيح الثروة، فابحث عن جذورها في تافراوت”.
في الحلقة السابعة والعشرين من سلسلة “عائلات المغرب”، نفتح ملف عائلة أمهال؛ الاسم الذي ظل لعقود مرادفاً لـ “الذهب الأسود” (المحروقات) ولإمبراطورية الغاز، قبل أن يتحول إلى طرف في واحدة من أكثر عمليات الاستحواذ إثارة للجدل في تاريخ الرأسمالية المغربية.
من جبال الأطلس الصغير، وتحديداً من قبيلة “أملن” بضواحي تافراوت، انطلق المؤسس الحاج محمد أمهال، الذي لم يكن يملك غير دهاء “السواسة” وعصامية الرعيل الأول الذين هجروا القفار نحو الدار البيضاء، محولين تجارة القرب إلى استثمارات استراتيجية.
بينما كانت عائلات أخرى تبحث عن الوجاهة في صالونات السياسة، كانت عائلة أمهال تؤسس لنفوذها عبر شركة “سوميبي”، وتحت قيادة الابن مصطفى أمهال، لم تعد الشركة مجرد محطات لتوزيع الوقود، بل تحولت إلى فاعل يزاحم الشركات المتعددة الجنسيات، ويبسط سيطرته على مفاصل غاز البوتان والبروبان عبر “تيسير بريماغاز” و”جرف غاز”.
ما يميز “آل أمهال” هي تلك “العقيدة الصامتة”؛ ففي الوقت الذي اختار فيه منافسهم، عزيز أخنوش، الصعود إلى قمة الهرم السياسي، ظل مصطفى أمهال وفياً لاستراتيجية “المسافة الواحدة” من الجميع. فبالنسبة لهذه العائلة، السياسة تُمارس في “كواليس” الغرف المهنية والاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM)، وليس فوق منصات الخطابة.
الراحل خالد الجامعي كان له رأي آخر في هذا المسار، وهو الذي كان يرى في قصة أمهال مع “سوميبي” فصلاً من فصول هندسة النخبة الاقتصادية التي بدأت في عهد إدريس البصري.
يذهب الجامعي بعيداً حين يحلل عملية “تجميع” القوة الاقتصادية، معتبراً أن الدولة في مرحلة ما دعمت خلق “أقطاب” موثوقة، وهو ما مهد الطريق للحظة الاندماج الكبير عام 2005.
سنة 2005، تغيرت خارطة المحروقات في المغرب للأبد، بعد أن أعلنت مجموعة “أكوا” (المملوكة لعائلة أخنوش) عن الاستحواذ على “سوميبي”. لم تكن العملية مجرد صفقة تجارية، بل كانت “عملية تكسير عظام” هادئة انتهت بظهور علامة “أفريقيا” كعملاق وحيد للسوق.
دخل “آل أمهال” الشراكة مع أخنوش بأسهم وحصص، لكن رياح المحاكم هبت بما لا تشتهيه سفن توافق “ولاد البلاد”؛ حيث طفت الخلافات حول تقييم الحصص وشركة “بيترومين”، وتحولت ردهات المحاكم والتحكيم التجاري إلى ساحة معركة بين “المال الصامت” و**”المال المسنود بالسلطة”**.
اليوم، وبعد أن خفت ضجيج المعارك القانونية، لم تسقط إمبراطورية أمهال، بل أعادت تموضعها؛ وغادرت صخب محطات الوقود، لكنها حافظت على قبضتها في قطاعات أخرى مثل الغاز، فهي لا تزال فاعلاً لا يستهان به في قطاع التوزيع. وفي الصناعة، ارتبط اسم أمهال بعلامات تجارية مثل “آيس كولا” و”واش” قبل تفويتها، لتتفرغ لمشاريع عقارية وصناعية أكثر هدوءاً.
“آل أمهال” آمنوا طويلاً بأن “المال يشتري الأمان”، لكن تجربة الاندماج مع أخنوش علمتهم أن في “مغرب القرن الواحد والعشرين”، قد لا يكفي أن تملك المال لكي تحمي نفوذك، خاصة إذا قرر منافسك أن يجمع بين “دفتر الشيكات” و”خاتم السلطة”.
لكن القلعة السوسية الحصينة، التي صمدت لعقود أمام أعاصير السوق ومناورات السياسة، لم تكن محصنة تماماً من الداخل، فبعد رحيل المؤسس الحاج محمد أمهال، انكسرت “عقيدة الصمت” على صخرة الميراث؛ حيث تحولت التركة الضخمة من رصيد عائلي مشترك إلى ملفات شائكة في ردهات المحاكم التجارية بالدار البيضاء.
صراع الإخوة والورثة حول “جرد الثروة” وتوزيع الحصص، لم يكن مجرد نزاع عائلي عابر، بل كان زلزالاً كشف للعلن أرقاماً وتفاصيل ظلت لسنوات طي الكتمان، فبينما كان مصطفى أمهال يحاول لملمة شتات المجموعة وسط الحجوزات التحفظية وتقارير الخبراء القضائيين، كانت حكاية “آل أمهال” تقدم درساً قاسياً لرجال الأعمال السوسيين: “إن الثروة التي تبنيها العصامية في عقود، قد تفتتها خلافات الارث في شهور”.
وفي الحلقة المقبلة، سنقترب من عائلة أخرى، لنعيد السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يصنع النفوذ الثروة.. أم تصنع الثروة النفوذ؟