2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
بقلم عبدالسلام الصديقي
دخلت الخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي تهدف إلى تحديد التوجهات الاستراتيجية للصين للفترة 2026-2030، حيز التنفيذ في مارس 2026، وذلك عقب الاجتماعات السنوية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (4 مارس) والجمعية الوطنية الشعبية (5 مارس)، التي تم خلالها اعتماد البرنامج التفصيلي الذي يترجم أولوياتها إلى أهداف رقمية ومشاريع عملياتية.
ومنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، تشكل الخطط الخمسية إحدى الأدوات الأساسية للحكامة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد؛ فبعدما كانت مستوحاة في الأصل من التخطيط السوفييتي، تطورت تدريجياً لتصبح أطرًا استراتيجية توجه التنمية على المديين المتوسط والطويل.
ويتألف هذا المخطط من خمسة عشر جزءًا وواحد وستين قسمًا فرعيًا، ليشكل خريطة طريق وطنية تغطي مجالات الاقتصاد، التعليم، الصحة، الدفاع، الانتقال البيئي، الابتكار، الأمن، إعادة توحيد الصين، والانفتاح الدولي.
التخصيص الذكي للقوى المنتجة
يُعد بناء نظام صناعي حديث حول مفهوم “القوى المنتجة من النوع الجديد” حجر الزاوية في الخطة الخمسية الخامسة عشرة؛ إذ لم يعد الأمر يتعلق بالنمو الموسع، بل بنموذج جديد لخلق الثروة قائم على الاختراقات التكنولوجية، والتخصيص الذكي لعوامل الإنتاج (البيانات، رأس المال التكنولوجي، المواهب)، والتحول المنهجي للقطاعات التقليدية. ولهذه الأغراض، تعمل الصين على وضع استراتيجية قائمة على ثلاثة مستويات: تحديث القطاعات التقليدية، تطوير الصناعات الناشئة، والاستثمار في تكنولوجيا المستقبل.
ويشمل تحديث القطاعات التقليدية مجالات المناجم، المعادن، الكيمياء، الهندسة الميكانيكية، وصناعة السفن، التي تشكل حتى الآن 80% من النسيج الصناعي للصين. والهدف هو إعادة تشكيلها من خلال الأتمتة، الرقمنة، و”التخضير”. ومن المتوقع أن يولد هذا التحول، الذي يتميز بحجمه غير المسبوق، حوالي 10,000 مليار يوان (1,370 مليار يورو) على مدار خمس سنوات، أي ما يعادل أكثر من 7% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025.
محركات النمو
يركز المخطط على تطوير الصناعات الناشئة باعتبارها المحركات الحقيقية للنمو، حيث يحدد خمسة قطاعات رئيسة: الصناعة المرتبطة بالرقمنة (الذكاء الاصطناعي، قوة الحوسبة)، أشباه الموصلات، السيارات الكهربائية، الروبوتات، والصيدلة الحيوية. وتكمن نقطة قوتها المشتركة في الكثافة التكنولوجية العالية، والبصمة الكربونية المنخفضة، والقدرة على توفير فرص عمل مؤهلة.
أما الاستثمار في تكنولوجيا المستقبل، فيمثل رهاناً بعيد المدى؛ إذ تراهن الصين على تقنيات حديثة النشأة مثل: الكم، التصنيع البيولوجي، الاندماج النووي، واجهات الدماغ-الآلة، وتقنية 6G. والهدف هو تحقيق تقدم استباقي، ففي غضون عشر سنوات، يمكن أن تضاهي هذه القطاعات قطاع تكنولوجيا عالية جديداً بالكامل.
ويظل الابتكار التكنولوجي قلب النظام والمحور الأهم في الخطة؛ إذ من المتوقع أن تستمر نفقات البحث والتطوير في النمو بنحو 7% سنوياً، بهدف تعزيز المنظومة الوطنية للابتكار، سعياً للانتقال من وضع “القوة الصناعية الكبرى” إلى رائد عالمي في الابتكار التكنولوجي.
«الدورة المزدوجة»
يولي المخطط أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة، وتشمل الأولويات زيادة دخل الأسر، وتقليل الفوارق الجهوية، وتحسين الحماية الاجتماعية، والوصول إلى التعليم والرعاية الصحية. كما تهدف الحكومة إلى الحفاظ على معدل البطالة الحضرية دون 5.5% لضمان الاستقرار الاجتماعي.
ومن الأهداف الرئيسة أيضاً تعزيز دور الاستهلاك المحلي في النمو؛ فبينما يمثل استهلاك الأسر حالياً حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي، من المتوقع أن يصل إلى 45% بحلول عام 2030، لتقليل الاعتماد على الصادرات والاستثمار العام. ويشكل هذا التوجه نحو الطلب الداخلي ركيزة أساسية لاستراتيجية “الدورة المزدوجة”، التي تجمع بين تطوير السوق الداخلية والحفاظ على انفتاح اقتصادي منضبط، لمواجهة السياسات الحمائية التي ينتهجها ترامب.
ثقل التوترات الجيوسياسية
سيواجه تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة عدة تحديات؛ أولها يتعلق بالتباطؤ التدريجي في النمو الاقتصادي، فبعد عقود من النمو السريع، يدخل الاقتصاد الصيني مرحلة أكثر نضجاً بمعدلات توسع معتدلة، حيث تتقدم الجودة على الكمية.
ويتمثل التحدي الرئيس الثاني في التحولات الديموغرافية، حيث يشكل انخفاض معدل المواليد والشيخوخة السريعة ضغطاً على أنظمة التقاعد والصحة والنمو. ولمواجهة ذلك، سيتعين على السلطات تشجيع الابتكار وتحسين الإنتاجية من خلال الروبوتات والذكاء الاصطناعي.
كما تمثل التوترات الجيوسياسية عاملاً رئيساً في عدم اليقين؛ فالصراعات بين القوى الكبرى أدت إلى قيود تستهدف الوصول إلى التقنيات المتقدمة، مما يدفع الصين لتعزيز أمنها الاقتصادي والتكنولوجي مع الاستمرار في المشاركة النشطة في المبادلات الدولية، وهو توازن دقيق بين الاستقلال الاستراتيجي والانفتاح الاقتصادي.
وفي السيمفونية الكبرى للتحول العالمي، تتأهب الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين لعزف نغمة حاسمة: طموحة، معقدة، وعميقة الأثر. برؤية تجمع بين النمو الأخضر، والاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وإنعاش الاقتصاد الداخلي، لا يقتصر هذا المخطط على تحقيق الأهداف فحسب، بل يسعى لإعادة تعريف ما يمكن أن تحققه أمة حديثة.
إن الصين تسير في طريق مغاير تماماً لطريق أمريكا ترامب؛ فبينما يسعى الأخير إلى الهيمنة عبر القوة العسكرية، تعمل الصين على تصدر القوى العالمية عبر بوابة الاقتصاد. ستترك هذه المواجهة بين الرؤيتين بصمتها على السنوات القادمة، وستعطينا القمة المقررة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين نهاية هذا الشهر لمحة جلية عن ملامح هذه المواجهة.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.