2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”.. أبو منصور ”خاتم” أنبياء بورغواطة (ح28)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة28: أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار
يمثل أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار عبد الله الحلقة الأخيرة والمفصلية في تاريخ إمارة برغواطة بمنطقة تامسنا، حيث تولى الحكم خلفا لوالده عبد الله (أبو الأنصار) في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع.
يذكر الأستاذ إسماعيل سامعي في دراسته “مدعو النبوة في بلاد المغرب الإسلامي: تحدي واستجابة” أن عيسى سار على خطى أسلافه في ادعاء النبوة والكهانة، بل إنه كان يعزز شرعيته الدينية والسياسية بين القبائل الأمازيغية من خلال التبشير بعودة جده “صالح بن طريف” (المهدي المنتظر في معتقداتهم) في عهد الملك السابع من سلالتهم، وهو الدور الذي كان يشغله عيسى نفسه كونه السابع في ترتيب ملوك برغواطة.
العلاقات الخارجية في عهده شهدت انفتاحا دبلوماسيا تجاه الأندلس، حيث يورد ابن عذاري المراكشي في كتابه “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب” أن أبا منصور عيسى أوفد في شهر شوال من سنة 352 هـ رسوله “أبو صالح زمور البرغواطي” إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله في قرطبة. كان الهدف من هذه السفارة هو توطيد أواصر الموالاة التي أوصى بها أجداده تجاه أمراء الأندلس، قدم هذا الوفد تفاصيل دقيقة عن نسب برغواطة وعقائدهم، وهي الرواية التي اعتمد عليها المؤرخون لاحقا في تدوين أخبار هذه الدولة.
كان لشخصية أبي منصور عيسى مزيجا من الموروث العقدي لأسلافه والقدرة على إدارة شؤون الإمارة في مرحلة حرجة، إذ يشير كتاب “مدعو النبوة في بلاد المغرب الإسلامي” إلى أن عهده اتسم بالاستقرار النسبي لولا ضغوط القوى الإقليمية المجاورة. ويؤكد “البيان المغرب” أن المترجم الذي رافق وفده إلى الأندلس، عيسى بن داود المسطاسي، هو من نقل للخليفة الحكم مذهب برغواطة القائم على ادعاءات النبوة التي كرسها أبو منصور عيسى، والتي كانت تتضمن تشريعات خاصة حاولوا بها مضاهاة الشعائر الإسلامية.
ارتبطت نهاية هذه الشخصية ببدء أفول نجم برغواطة، حيث يوضح إسماعيل سامعي أن عهد عيسى يعد “عهد انقراض ملكهم” في تامسنا، إذ بدأت الضغوط العسكرية من الصنهاجيين والفاطميين والأمويين في الأندلس تضيق الخناق على هذه الإمارة التي ظلت لقرون خارجة عن الإجماع العقدي للمشرق.
وبالرغم من محاولاته الحفاظ على إرث آبائه، إلا أن اصطدامه بالقوى السنية المحيطة أدى إلى تضعضع أركان دولته، ليظل أبو منصور عيسى في الذاكرة التاريخية كآخر الرموز الكبرى لظاهرة “التنبؤ” التي ميزت اتحادية برغواطة.