لماذا وإلى أين ؟

من المراهقة إلى الثلاثين: تجربتي بين البرادعة والمخزن وجماعة العدل والإحسان.

خلال تجربتي السياسية، من مرحلة المراهقة إلى حدود الثلاثين من عمري، احتككت بطرفين أساسيين في المشهد المغربي: جماعة العدل والإحسان والمخزن. ومن خلال هذه التجربة خرجت بخلاصات أضعها اليوم في هذا المقال.

تعرفت على جماعة العدل والإحسان منذ نعومة أظافري. كان عمي عضواً ناشطاً داخل الجماعة، وكان بيت جدي في حي البرادعة بالمحمدية لا يخلو من أعضاء الجماعة القادمين من مختلف مدن المغرب. كنت أراهم شباباً خلوقين، مبتسمين على الدوام، فأحببتهم كإخوة لي. لم أكن آنذاك أفهم السياسة ولا التنظيمات، ولم أكن حتى أعلم أنهم ينتمون إلى تنظيم اسمه جماعة العدل والإحسان.

كنت أخرج معهم إلى البحر والغابة، وكانت تلك اللحظات من أجمل لحظات طفولتي. كنت سعيداً برفقتهم، وما زلت إلى اليوم أكنّ لبعضهم المحبة الإنسانية.

في سنة 2004 وقع حدث ترك أثراً عميقاً في نفسي. كان بالقرب منا بيت يعلّم فيه أحد الأشخاص الأطفال والشباب القرآن الكريم. في إحدى الليالي، وأنا في العاشرة من عمري، شاهدت تطويقاً أمنياً كبيراً لذلك البيت. تدخلت عناصر الشرطة بمختلف تشكيلاتها، واقتحمت المنزل واعتقلت كل من فيه.

في صباح اليوم التالي كان الحي كله يتساءل: ماذا حدث؟ هل كانت خلية إرهابية؟ ماذا جرى؟

أجابني أحد أعضاء الجماعة قائلاً: “المخزن يحارب بيوت القرآن ويحارب الإسلام والمسلمين”.

في ذلك السن الصغير، ومع حبنا الطبيعي للدين، كانت هذه السردية كافية لترسيخ فكرة في عقولنا: أننا نعيش في دولة تحارب الإسلام، وأن الواجب هو تغيير هذا الواقع وبناء دولة إسلامية حقيقية.

لاحقاً تعرفت على مرشد الجماعة عبد السلام ياسين رحمه الله عبر أشرطة الفيديو والأقراص المدمجة. بدا لي رجلاً شجاعاً وصادقاً يدعو إلى الله وإلى التغيير. ومن كلماته التي رسخت في ذاكرتي قوله إن الإنسان لا يمكن أن يتعلم سنن الوضوء وهو يعيش في براكة من الصفيح، بل يجب أولاً الدفاع عنه حتى يسكن سكناً لائقاً.

كانت تلك الكلمات تمس جرحاً في داخلي، لأنني كنت فعلاً أعيش في دور الصفيح.

ثم جاءت مرحلة الربيع العربي، وخرجنا في حركة 20 فبراير. لم نخرج تلبية لنداء الحركة بقدر ما خرجنا تلبية لتوجيه جماعة العدل والإحسان، التي كنت أراها آنذاك الحل الوحيد لمشاكل المغرب.

خرجنا إلى الشارع وتعرضنا للقمع من طرف الدولة، وكان ذلك القمع يغذي غضبنا ويجعلنا أكثر قابلية لتصديق خطاب الجماعة.

لكن داخل تلك التجربة بدأت أتعلم شيئاً جديداً: السياسة. بدأت أفهم معنى استغلال اللحظات التاريخية، ومعنى توظيف الغضب الشعبي وتوجيهه. خرجنا من تلك المرحلة أكثر نضجاً، ولم نعد مجرد أطفال يمكن التلاعب بهم.

بدأت أكتشف أن بيت القرآن لم يُغلق لأن الدولة تحارب الإسلام، بل لأن الدولة كانت تحارب تنظيماً سياسياً يستعمل الدين والقرآن لنشر أفكار معينة، واكتشفت أيضاً أن تلك الوجوه المبتسمة لم تكن دائماً بريئة كما كنت أظن، بل كانت في مرحلة استدراج وتكوين حتى نقف يوماً في مواجهة الدولة كأداة ضغط سياسي.

حتى الرحلات إلى الغابة والأنشطة الترفيهية، التي كنت أراها مجرد لحظات فرح، بدأت أفهم أنها كانت جزءاً من مسار إعداد طويل ينتهي بالمشاركة في الوقفات والمسيرات والاحتجاجات.

أما الحديث المتكرر عن مشاكلنا اليومية، فقد فهمت لاحقاً أنه كان في كثير من الأحيان توظيفاً للفقر والحاجة من أجل تأجيج الاحتجاج.

لكن الحقيقة الكاملة لا يمكن أن تُقال دون الاعتراف بمسؤولية الدولة أيضاً. فالدولة التي تركتنا نعيش في أكواخ الصفيح هي التي فتحت الباب أمام استغلالنا من نقطة ضعفنا. ولو كانت هناك سياسات اجتماعية حقيقية، وجمعيات تقوم بدورها في تنظيم أنشطة تربوية وترفيهية تغرس حب الوطن بدل الحقد، لما تُرك المجال فارغاً أمام من يستغل الأزمات.

بعد سنوات من الصراع الداخلي، جاء اليوم الذي كتبت فيه بياناً انتقدت فيه الجماعة.

عندها اختفت تلك الوجوه المبتسمة التي كانت تحيط بنا. الوجوه التي كانت تبتسم لنا لأننا كنا نخدم مشروعها بدون مقابل. وظهرت وجوه أخرى: وجوه السب والشتم والتكفير والتخوين. نفس الأساليب التي كانوا ينتقدون بها الدولة.

اتهمونا كما اتهموا غيرنا، وكفّرونا كما كفّروا الدولة، وشيطنونا كما شيطنوا خصومهم.

وفي الوقت نفسه ما زالوا ينشرون أفكاراً جديدة في أجيال جديدة، يغذون فيها الحقد على المجتمع وعلى الدولة.

السؤال الذي أطرحه اليوم هو: إلى متى سيبقى هذا التحريض مستمراً داخل هذا الوطن؟

ورغم كل ما سبق، فإن احتكاكي بالمخزن كان يحمل مفارقة. ففي كثير من الأحيان كان المسؤولون يفتحون لي الأبواب ويساعدونني حتى أنجح في حياتي، لكنني كنت أرفض لأنني كنت أخشى أن أُتهم بالاستفادة أو أن أفقد استقلاليتي.

شققت طريقي وحدي، وحققت نجاحات متواضعة ومستقرة إلى اليوم.

كنت أخاف دائماً أن يعرقلني المخزن، لكن المفاجأة أن العرقلة جاءت من داخل تنظيم كنت أظنه يوماً ملجأً للمظلومين. تنظيم فاسد ومرتشي لم نكن نتوقع منه تلك الضربة، حتى ذلك الحي الصفيحي الذي نشأنا فيه، كان بعضهم سبباً في تشريده وضياع حقوق سكانه.

فأصبحت المفارقة واضحة:

الدولة تمنح السكن…، والتنظيم يشرد الناس.

اليوم، بعد ثلاثين سنة من التجربة، أرى بوضوح أن:

  • الدولة يجب أن تتحمل مسؤوليتها تجاه الفقراء والمهمشين.
  • التنظيمات السياسية التي تستغل الدين يجب كشفها ومحاسبتها.
  • المواطن البسيط في البرادعة، وفي أي حي فقير، يستحق أن يُعامل بكرامة وأن تُحترم حقوقه.

تجربتي هي شهادة على أن الفقر والاستغلال السياسي والديني يمكن أن يشوه حياة الأجيال، وأن الفهم الحقيقي للسياسة والمجتمع يأتي من التجربة المباشرة والمواجهة مع الواقع، لا من السرديات المغلّفة بالابتسامات والكلمات الجميلة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x