2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في ظل استمرار ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة المعيشة، اختارت الحكومة المغربية مواصلة العمل بآلية الدعم المباشر لفائدة مهنيي النقل الطرقي، باعتبارهم حلقة أساسية في سلسلة الأسعار، حيث يهدف هذا الإجراء، وفق المقاربة الرسمية، إلى الحد من انتقال كلفة المحروقات إلى أسعار السلع والخدمات، وبالتالي كبح الضغوط التضخمية التي تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
غير أن هذا الخيار يثير نقاشًا واسعًا بين من يعتبره إجراءً موجّهًا وفعالًا، ومن يرى أن خفض الضرائب على المحروقات أو تسقيف أسعارها كان سيكون أكثر نجاعة وشمولًا، بما يسمح لجميع مستعملي الطرق، أفرادًا ومهنيين، بالاستفادة المباشرة من انخفاض الأسعار عند المضخة. وبين هذين التوجهين، تتباين آراء المهنيين والخبراء حول الجدوى الاقتصادية والانعكاسات الاجتماعية لكل خيار.
في هذا السياق، يرى مهنيون في القطاع أن الدعم المباشر، بصيغته الحالية، أنه لم يعد قادرًا على مواكبة الارتفاعات التي عرفتها الأسعار خلال السنوات الأخيرة، إذ يؤكد الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لمهنيي النقل الطرقي، منير بنعزوز، أن “الدعم غير كافٍ بتاتًا”، مبرزًا أن “الظروف التي حُدّدت فيها مبالغ الدعم قبل 3 سنوات تغيرت، سواء بخصوص مستوى المعيشة أو ثمن المحروقات”.
وأضاف بنعزوز، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن المهنيين يستفيدون حاليًا من مبلغ 6000 درهم، “وهو مبلغ غير كافٍ”، موضحًا أن “رحلة واحدة من البيضاء إلى العيون قد تضيف على صاحب الشاحنة ما يصل إلى 3000 درهم من الكازوال، ما يعني أن رحلتين في الشهر ستبتلعان مبلغ الدعم كاملًا”.
وأشار المسؤول بالنقابة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى أن “الأسعار ارتفعت منتصف الشهر، وهناك زيادة مرتقبة مع بداية أبريل، ومبلغ الدعم بقي كما هو، وهذا أمر غير مقبول”.
ولا يخفي بنعزوز تذمر المهنيين من طريقة تدبير هذا الملف، حيث يؤكد أن “الحكومة لم تستشر المهنيين بخصوص هذا الدعم، اجتمعوا وقرروا، ونحن علمنا بالخبر عبر وسائل الإعلام”، مضيفًا أن “الدعم خلق لنا الكثير من المشاكل”، ومعتبرًا أنه “كان من الأفضل تسقيف سعر بيع الغازوال” حتى يستفيد الجميع، بدل حصر الدعم في فئة معينة، محذرًا من أن “عدم رفع مبلغ الدعم سيدفع نحو الاحتقان في الشارع المغربي”.
في المقابل، يفسر المحلل الاقتصادي أمين سامي توجه الحكومة نحو الدعم المباشر بكونه خيارًا يهدف إلى التحكم في الكلفة المالية واستهداف الفئات الأكثر تأثرًا. إذ يوضح أن “الحكومة تميل إلى الدعم المالي المباشر لأرباب النقل لأنها تريد امتصاص الصدمة في الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة الأسعار، من دون فتح كلفة مالية واسعة على جميع مستهلكي المحروقات”.
وأوضح سامي، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن الفرق بين الدعم المباشر ودعم الأسعار يكمن في طبيعة الأثر واتساعه، حيث إن “الدعم المالي المباشر يعني أن الدولة تدفع تحويلًا لفئة مستهدفة حتى لا تنهار تكلفتها التشغيلية”، بينما “دعم الأسعار أو خفض الضرائب يعني تدخلًا في السعر النهائي عند المضخة، يستفيد منه الجميع تقريبًا”، مؤكدًا أن هذا الخيار الثاني “أسرع أثرًا على السعر المرئي للمواطن، لكنه أوسع كلفة وأقل دقة في الاستهداف”.
أما بخصوص النجاعة، فيؤكد سامي أن الأمر مرتبط بأهداف الحكومة، موضحًا أنه “إذا كان الهدف خفض السعر في المحطة فورًا وخلق أثر نفسي سريع، فإن خفض الضريبة أكثر مباشرة”، لكن “إذا كان الهدف منع انتقال الصدمة إلى كلفة النقل مع الحفاظ على التوازنات المالية، فالدعم المباشر أكثر عقلانية”.
وشدد الخبير الاقتصادي المهتم بمجال الطاقة على نقطة حاسمة، مفادها أن “الدعم المباشر لا يخفض الأسعار تلقائيًا إلا إذا كان مشروطًا ومصحوبًا بمراقبة دقيقة”.
وجوابًا على سؤال أي القرارات أكثر نجاعة للتحكم في مستوى التضخم، أشار سامي إلى أن خفض أسعار المحروقات “يؤثر بشكل أسرع على التضخم لأنه يخفف عنصرًا يدخل مباشرة في النقل والإنتاج”، لكنه يحذر في المقابل من أن الدعم الشامل “قد يخفف التضخم الظاهر مؤقتًا، ثم يعيد إنتاج المشكلة عبر الضغط على الميزانية وتوسيع الطلب على الوقود”.
ويرى سامي أن الاختيار بين الخيارين يعكس في جوهره مفاضلة بين سياسة موجهة وأخرى أفقية، حيث “الدعم المباشر أقل كلفة وأكثر قابلية للاستهداف، لكنه يتطلب حكامة ومراقبة صارمة”، في حين أن خفض الضرائب “أكثر شمولًا وأسرع أثرًا، لكنه أقل عدالة من حيث الاستفادة وأكثر كلفة على المالية العمومية”.
وبين مطالب المهنيين برفع الدعم أو مراجعة آلياته، وتحفظات الخبراء بشأن كلفة الخيارات البديلة، يبقى التحدي المطروح أمام الحكومة هو تحقيق توازن دقيق بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان استقرار الأسعار، والحفاظ على التوازنات المالية في سياق اقتصادي دولي متقلب.