لماذا وإلى أين ؟

افتراضات حول الغاية الاستراتيجية من الحرب الأمريكية على إيران: نماذج نظرية قد تفسر مساهمة هذه الحرب في تجديد شرعية النظام الإيراني!

إدريس بنيعقوب*

يقول الديبلوماسي الفرنسي بيير كونيسا في كتابه صناعة العدو، (la fabrication de l’ennemi)، أنه “سيكون صنع العدو خلال العقود المقبلة قطاع إنتاج ضخم”.

هناك مقولتان مهمتان، أوردهما كونيسا في كتابه، أريد أن استهل بهما هذه المقالة، لعلهما يعبران عن جوهر الأفكار المطروحة هنا، وعن الحقيقة التي قد يتمثلها عدد كبير من الباحثين، المهتمين بالصراع الدولي الحالي في الشرق الأوسط.

المقولة الأولى لألسكندر أرباتوف، المستشار الدبلوماسي لميخائيل غورباتشوف مع بدايات التغيير في الاتحاد السوفيتي، حيث قال: “سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو”، كتعبير عن فهم مدى حاجة الدول الغربية لصناعة الأعداء، لتحييث التدخل ولفرض السيطرة والسيادة في مناطق من العالم. ثم مقولة الفيلسوف نيتشه الشهيرة حيث جاء فيها: “إن من يحيا على محاربة عدوه، من مصلحته أن يدعه يعيش”.

افترض أن هاتين المقولتين تعبران عن خلاصة الأفكار التي أطرحها في هذه المقالة. هي محاولة نظرية لفهم ما يعيشه العالم هذه الأيام، وفي آخر المطاف، ليست هناك حقيقة مطلقة، وإنما هناك فقط حقيقة يتمثلها كل باحث أو “معلق” أو حتى “مناضل مثالي”، حسب فرضياته وحسب منطلقاته “الموضوعية” والذاتية، بناء على ما “يوظف” من أدوات منهجية لهذه الغاية!

في المسرح الحربي الحالي، وما نشهده من هجومات أمريكية-إسرائيلية على مواقع إيرانية متنوعة، والقول بسطحية غير محسوبة، بأنها قد حققت هزيمة استراتيجية ضد إيران، يجعل العقل العلمي النقدي، يطرح السؤال بطريقة عكسية. حينها يصير السؤال ليس هل هزمت إيران، بل ماذا لو كانت صورة الهزيمة المسوقة عسكريا واقتصاديا، هي حاجة للنظام الإيراني للتسلل من رحم هذه الحرب من أجل ولادة قيسرية جديدة وربما مبكرة؟ ماذا لو كانت هذه الحرب و صورة الحصار والقصف والاغتيال، هي مقابل و تكلفة ضرورية مقنعة، و أدوات جراحية لولادة نظام جديد في إيران وفي المنطقة؟ ولادة لعلها تنقد إيران من شرعية ثورية قومية مأزومة عاشتها خلال الفترة الأخيرة من ولاية علي خامنئي، لا سيما بعد موجة متزايدة من الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية الداخلية، المنتظمة والصامدة، يواجهها القمع بسبب الفشل في احتواءها بواسطة حلول ملموسة، حتى صارت تهدد استقرار النظام قبل الحرب الأميركية على إيران؟ لذلك يمكن ان نفترض، وبدون مجازفة، أن النظام الإيراني كان يسير إلى هاوية حقيقية بسبب الحصار والظروف المعيشية الداخلية، فجاءت هذه الحرب كمنقد ومطيل لأمد حياة هذا النظام!

الحقيقة أن مشكلتنا الحضارية الأولى في المنطقة العربية، وفي كل التخصصات بما في ذلك الفقه والعلوم الشرعية وتفسير القرآن الكريم كما في المواقف السياسية الكبرى، أننا نرفض استعمال العقل النقدي في قراءة الأحداث والوقائع. نعيش اللحظة عاطفيا بناء على سرديات معدة سلفا لا يمكن التفكير خارجها، خوفا من التكفير النضالي أو التخوين. التاريخ الإسلامي حافل بالخلافات والصراعات الدموية منذ الخلفاء الراشدون، والقرآن نفسه تحدث عن إمكانية بغي طائفة مؤمنة على طائفة مؤمنة أخرى، وأمر بقتال التي تبغي حتى تفيء لأمر الله. لكن يتعصب القوم عندنا لمواقفهم وينتقون من التراث ما يخدمهم، وهنا أطرح سؤالا فقهيا، هل بحث القوم في فتاوى إبن تيمية في الشيعة أو على الأقل في بعض فرقها؟ كانت له فتاوى وآراء، تستحق النظر من قبل الذين كانوا يقولون أن ابن تيمية هو نبراس طريقهم!

المواقف المتصلبة حدثت أيضا مع كل حروب المنطقة، منذ النظام الناصري الذي قدسه الناس فقط لانه رفع شعار وحدة زائفة اقصائية، وتغنى بشعار محاربة اسرائيل. كان من ينتقد جمال عبد الناصر يوصف بأنه خائن وعميل. القوم حينها كانوا يرفضون أي سؤال مختلف أو مخالف أو نقدي عن شعارات عبد الناصر! هكذا هي المنطقة، لاتزال وفية لهذا التوجه المستبد في الاصطفاف الأعمى، بدون تسخير للعقل، ولو في إطار مراجعة نقدية بعدية للموقف!

و قد يكون أحد أسباب بعض المواقف الشعبية العربية الأخيرة في مساندة إيران ضد دول الخليج، مرده ليس فقط إلى سرديات إيران، بل ربما أيضا إلى الذاكرة الحية لأجيال الشباب العربي، الذي رأى جزء كبير منه، أن أحلامه في زمن الربيع العربي، اجهضت بسبب ثورات مضادة وفلول قد تكون دعمتها دول خليجية بالمال والإعلام..

وبعيدا عن محاولة ربط السؤال بنظرية المؤامرة، فإنه على العكس من ذلك، لكونه يملك مشروعية بحثية، باعتباره تحليل بعمق استراتيجي يستند إلى قواعد القراءة العلمية لنظريات التاريخ ومدارسه، ولسوسيولجيا حركة الحضارات وصراعاتها، و لمناهج فهم الحروب والصراعات الدولية، و مؤسس على باراديغمات تناولها باحثون كبار عبر العالم.

وقد عودتنا الحروب في الخليج، بعد نهايتها، على ظهور فوضى في الانظمة وسقوط بعضها، كما حدث في حرب الخليج الثانية، حيث سقط نظام صدام حسين فيما بعد، ثم حصار نظام القذافي بسبب ملف لوكيربي.

منطلق هذه الأفكار، هو ما لاحظه الباحثون والمعلقون المختصون المتهمون بشؤون الشرق الأوسط، من استعادة النظام الإيراني بعض ما افتقده منذ زمن. أذكر هنا عودة التعبئة الثورية بشكل يشبه بداية الثورة الإيرانية سنة 1979 حول العدو الخارجي “المطلق” لايران، وعودة خطاب شهداء الثورة كجسور لتجديد الروح في نظام ربما قضى على العقل الفارسي اللامع علميا بسبب لبوس طائفية شيعية، لا ترى سوى السنة عدوا أبديا يسبق في التصنيف كل الأعداء.

بين أيدينا ثلاث نماذج نظرية ومفاهيمية رئيسية كبرى، لعلها تساهم في فهم تناقضات المشهد في إعادة إنتاج ذات إيران الثورية الشيعية. تناقض بين صورة العدو الذي يجب قتاله، وبين ضرورة الحفاظ على هذا العدو ك”مكمل غذائي” ثوري.

هذه النماذج النظرية التفسيرية، هي نموذج الانثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز في تفسيره لمصير القوميات في الدول الجديدة. ثم نظرية صناعة العدو للديبلوماسي الفرنسي بيير كونيسا. وأخيرا النموذج التحليلي “الدول المجنونة”، للأسرائلي ليحيزكيل درور. كما أن المقالة تعرج على مفاهيم نظرية أخرى مساعدة، ك”نظرية الرجل المجنون” بخصوص سلوك ترامب، الذي قد يكون هو نفسه أحد أدوات “الاستراتيجيون محددو العدو في أمريكا”، ثم نظرية التحالفات الدولية لغلين سنايدر.

النموذج النظري الأول: تفتت الشرعية الثورية الإيرانية، ومحاولة إعادة إنتاجها من خلال العدو الخارجي (كليفورد غيرتز)

يحدد غيرتز، في تفسيره لمصير الدول الجديدة ما بعد استقلالها أو ثوراتها، أربع مخاطر حقيقية تحدق بأي نظام ثوري ما بعد الجيل المؤسس. ويبدو لنا أن هذه المخاطر عانى منها النظام الإيراني في السنوات الأخيرة من حكم علي خامنئي.

أول هذه المخاطر هي تآكل الشرعية الثورية. فقد كانت شرعية الخميني مرتبطة بحدث تاريخي استثنائي سنة 1979 إلى أن توفي، قائدا ميدانيا للثورة ورمزا لوحدة إيران القومية، وتجسيدا “للأمة الإيرانية” في مواجهة العدو الأمريكي “الشيطان الأكبر”، مع جيل عاش الوضع في نظام الشاه وعاش الثورة. غير أنه مع الوقت، ومع بداية زوال جيل الثورة وأجيال نظام الشاه، صرنا أمام مشهد أجيال جديدة ليست لها تجربة معيشة مع نظام الشاه ولا تعرفه إلا من خلال سردية الثورة في المدارس والجامعات، وأمام أجيال شابة لم تعش الثورة ولها طموحات جديدة مختلفة تماما عن جيل ثورة الخميني.

نشأت الدولة الإيرانية الجديدة، في سياق تميز بصعود ما سمي اصطلاحا بحركات الإسلام السياسي السني في المنطقة. كانت هذه الحركات سائدة في المنطقة، وشكلت ازعاجا واضحا للأنظمة، ولدول الغرب الليبرالي وللشرق الشيوعي على حد سواء . لكن مع ظهور ايران الشيعية، تشثت جهد الحركات الإسلامية السنية، وضعفت وانقسمت بين منسق مع إيران وبين من هو ضدها.

ولازال النقاش جاريا إلى الآن، حول مدى الحاجة إلى دولة شيعية في المنطقة، وإلى ثورة يقودها الخميني بدل الفيلسوف علي شريعاتي، الذي اعتبر أنه أكثر عمق نظري وفكري. بل إنه حسب كتابته عبر بوضوح عن استيائه من حكم رجال الدين غير المنفتحين ومن قمع الحريات بسبب الاستبداد أو بسبب قراءات دينية متشددة. كان شريعاتي يرفض العنف ولا يقبل بالصراع الطائفي، رغم أنه شيعي الهوى، لكنه تم اغتياله في لندن سنتين قبل مجيء الخميني،الأكثر تشددا، بالثورة، بدل المفكر علي شريعاتي!

هذا الخطر الأول، تفتت الشرعية الثورية، نتج عنه خطر ثاني مباشر، متعلق بانتقال من كاريزما الخميني المفقودة، التي كانت سندا لكل القرارات، إلى دولة قومية ذات بيروقراطية مفرطة. الصورة المؤسساتية واضحة، تتميز بتضخم في المؤسسات وسمو بعضها على البعض، و عدم انسجام الهوية العقائدية لبعضها مع الهوية الحديثة التدبيرية لليومي الإيراني، مع تعقيد في اتخاذ القرارات. من هنا تحول نظام الحكم من قيادة ثورية، تعيش يوميا على خطاب التعبئة العقدية والسياسية، إلى بيروقراطية إدارية ومؤسساتية يومية يفترض فيها صناعة سياسات عمومية تخدم المواطن.

وبذلك تحول منصب القائد الثوري من رمز فوق المؤسسات، إلى رئيس تسلسلي إداري لجهاز الدولة، وبالتالي حسب، غيرتز، صار الحاكم مجرد شخص عادي، قابل للتغيير ولم لا الإطاحة به!

في ظل هذه المخاطر التي تساهم في تفكيك المنطق الثوري في إدارة الدولة، وتبعا لنموذج غيرتز، ظهرت وصعدت فئة اجتماعية مرتبطة ببيروقراطية الدولة، وقد يكون الوضع مشابه لكل الأنظمة التي تنشأ عن ثورات فسرعان ما تنتج نخب نفية مصالحية.

هذه الفئة الجديدة، حجزت القرار الاقتصادي بين يديها، وراكمت المصالح والامتيازات، وشكلت شبكة متعاونين حول المصالح والامتيازات. مما يكون قد نتج عنه، حسب بحوث علمية كثيرة، تعويض طبقة بيروقراطية مصالحية، للنخبة الثورية.

هذه التحولات تولد عنها بالضرورة خطر رابع. يتمثل هذا الخطر في الجيل الذي يدير الدولة. لم يتمكن هذا الجيل على ما يبدو، من تحويل ثورة الخميني التحررية العقدية والسياسية، إلى ثورة تنمية تحسن معيش المواطن الإيراني. هذه التغيرات جعلت النظام الإيراني مستهلكا ومستنفذا على المستوى الداخلي، فصار يعيش نظام خامنائي قبل اغتياله، فشلا في الجواب على أسئلة الشارع على المستوى الاجتماعي والاقتصادي تحديدا.

في ظل هذا السياق، عادت المواجهة بشكل أقوى مع العدو الخارجي، الذي يجسد في المخيال الإيراني الجماعي، كتلة الغرب التي كانت تدعم نظام الشاه. لقد عادت لحظة الثورة كتجربة جديدة يتغذى منها النظام، ويغذي بها الأجيال الجديدة التي لم تعش ثورة الخميني. فظهرت من جديد لحظة 1979، وعاد الشهداء، وعادت التعبئة السياسية والعقدية التاريخية الإستثنائية، وتم احياء النظام الثوري بوجوه شابة جديدة لكنها تبدو أكثر تشددا مع الجيران السنة!

النموذج المفاهمي الثاني: نظرية صناعة العدو (بيير كونيسا): عندما تصير هجومات “العدو الأمريكي” أفضل خدمة تقدم للنظام الإيراني!

يعرف الباحث الفرنسي بيير كونيسا، العدو بكونه ليس واقعا موضوعيا، وإنما هو صناعة سياسية وسوسيولوجية. تتم صناعة العدو من قبل فئة، سماها كونيسا، “محددي العدو”. هؤلاء يعملون باسم المصلحة العامة لتحديد العدو وكشفه للرأي العام. يقودون عمليات سوسيولوجية لتهيئة العقول، لاختيار العدو والموافقة على توصيفه كعدو. وهم الاستراتيجيون، المثقفون، الإعلاميون، رجال الدين، المنشقون، السياسيون، السينمائيون.. وحسب هذه النظرية، يقوم هؤلاء، بانتاج خطاب تمييزي بغية تبرير استعمال العنف ضد العدو، وبغاية الحصول على موافقة جماعية للتعاطي العنيف معه.

يرسم بيير كونيسا عدة نماذج للعدو، فقد يكون قريبا جغرافيا على الحدود مثلا، وقد يكون حميما داخليا، وقد يكون محجوبا خفيا من خلال ما يروجه رواد نظرية المؤامرة، وقد يكون همجيا ارهابيا، وقد يكون تصوريا تخمينيا، نظريا غير موجود في الواقع، وقد يكون إعلاميا، وقد يكون عدوا مطلقا في إطار حرب الخير ضد الشر بين الأنظمة الشمولية والأنظمة العلمانية الحداثية مثلا. فيصير الآخر حسب زاوية نظر كل طرف، هو الشر بل هو الشيطان، ويجب الحرب عليه لإبادته. وبذلك يبدو أن النظام الإيراني في نظر الأمريكان يمثل خليطا من كل هذه النماذج.

ومن اللافت للانتباه في هذه الحرب، أن الدولة الخليجية الوحيدة التي استعملت مصطلح العدو في وصف إيران، هي دولة الإمارات العربية المتحدة، ربما في محاولة منها لترسيخ هذا المفهوم بشكل دائم على غرار ما تفعله اسرائيل، ومن تم اقناع الرأي العام في الخليج بضرورة المشاركة المباشرة في الحرب ضد النظام الإيراني.

وقد يكون العمانيون هم الأكثر فهما من غيرهم لرهانات هذه الحرب. فقد وصف عدد كبير من المعلقين والمهتمين، موقف سلطنة عمان بالمتناقض. فرغم أنها تعرضت للقصف الحربي الإيراني، إلا أنها لم تنجر عاصفيا نحو التصعيد، ولا تزال تحتفظ بنفس موقفها تجاه إيران وتجاه باقي الأطراف. وقد يكون ذلك ربما بهاجس الحرص على استقلالية قرارها، أو ربما خشيتها من فقدان موقفها الرمزي والاستراتيجي في لعب دور الوساطة، فهي تعتبر ايران جارا أبديا وليس عدوا دائما.

من أهم خلاصات كتاب صناعة العدو، أنه يسلم بفكرة أن العدو هو بنية وبذلك فإنه يمكن تفكيكها بنجاح. حدث ذلك مرات عديدة عبر التاريخ، من بينها المصالحة بين فرنسا وألمانيا، بعد ثلاثة حروب مدمرة. من هذا المنطلق يمكن تفكيك العدو من خلال التفاوض معه، والوصول إلى تسويات وتوافقات.

وفيما يتعلق بمحاولة مطابقة هذا النموذج النظري مع سياق حرب الخليح الجديدة، فإن خطاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسعيها إلى صناعة هذا العدو الإيراني”المطلق”، ومحاولة إقناع العالم بذلك، فإنها قد أرجعت للنظام الإيراني ما افتقده في السنوات الأخيرة، وهو تقوية الجبهة الداخلية ورص صفوفها، خصوصا بعد ما وصف بهزائم لحلفائها في المنطقة. فتحول أولئك المواطنون الإيرانيون، الذين احتجوا ضد نظامهم مؤخرا وانتقدوه بشدة، إلى مدافعين عنه اليوم وعن الوطن، وعن القومية الفارسية، وعن التشيع، ضد الهجوم الامريكي الصهيوني. فتحولت الحرب ضد إيران من وسيلة محتملة لإسقاط النظام، إلى عملية تنشئة سوسيولوجية تعيد تأسيس وتقوية روابط الانتماء الجماعي في هذا البلد.

النموذج الثالث: دولة يحيزكيل الشهيدة المجنونة، ونظرية غلين سنايدر للتحالفات الدولية

يحاول يحيزكيل درور أن يقدم نموذجا نظريا تفسيريا في كتابه “الدول المجنونة” “crazy states” (نسخة 1980)، لحالة الدولة الإيرانية، فيصفها بأنها “دولة شهيدة مجنونة”. يضع درور في نموذجه عدة سمات لدولته المجنونة، وهي: توفرها على مساعي عدوانية، التزام جذري راديكالي بعقيدة الثورة، شعور زائد بالتفوق الأخلاقي والقيمي، قدرة عقلانية على اختيار أدوات إدارة الصراعات، وقدرات للتأثير الخارجي، وهذه أمور كلها مشهودة لإيران. من هنا نتساءل هل أدت الاستراتيجيات الأميركية, وهل ستؤدي حربها الحالية ضد إيران، إلى تدمير هذه المنظومة وهذه القدرات بشكل تام، أم ستؤدي إلى تقويتها وتعزيزها في المنطقة؟!

هنا قد يحتاج التحليل إلى مفاهيم أخرى للفهم. تقدم “عقيدة الصدمة” (the shock doctrine) في مدرسة شيكاغو، أجوبة مفسرة إلى حد ما. هي تعتبر الأزمات والكوارث والحروب، فرصة لفرض التحولات الاقتصادية الجذرية والقاسية في سياق محيط ضعيف وهش. وبهذا، فإن هذه الحرب ليست نهاية في حد ذاتها، وإنما هي بداية جديدة لتغيير حقيقي في المنطقة، بناء على الرغبات الاقتصادية الأميركية، بعد التفاوض مع حكام المنطقة من جديد بعد الحرب بما في ذلك النظام الإيراني.

هناك من حاول قراءة ترامب من خلال نظرية أطلق عليها علماء السياسة اسم “نظرية الرجل المجنون”، ,”Mad Man Theory”. تصف هذه النظرية سلوك الرئيس أو قائد الدولة بكونه يجنح إلى إقناع خصمه بخطورة سلوكه، وبأنه قادر على فعل ما لا يفكر فيه العقلاء، من أجل دفعه إلى التفاوض وانتزاع التنازلات والمنافع منه. يرى رواد هذه النظرية، أن ممارستها قد تعطي أكلها وثمارها، باعتبارها أسلوبا من أساليب الإكراه والضغط. غير أن سياسة “الجنون” هاته قد تكون محدودة الأثر، إذا ما اصطدمت بأنظمة توصف هي الأخرى بالمجنونة، حسب نظرية الدولة الشهيدة المجنونة أعلاه، التي قد تكون ردود فعلها من نفس جنس جنون الرئيس، فتحاصر مصادر الطاقة وتقصف مواقع متعددة في دول الخليج كما تفعل إيران حاليا!

وإذا ما حاولنا النظر من خلال نموذج التحالفات لغلين سنايدر، وتطبيق مفاهيمه، لاسيما مفهومي التخلي عن الحليف وتوريطه، فإن التحالفات في الشرق الأوسط، قد لا تحل معضلة أمن دول المنطقة، نظرا لما يمكن وصفه، بقلق دول الخليج على أمنهم وضعف الثقة في الفاعل الدولي المتحالف معه. فقد عبرت نخب خليجية عن الخوف من تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن حلفائها وتوريطهم في مواجهة إيران بشكل مباشر، وبالتالي فإن إمكانية توسع المواجهة بين دول المنطقة وبين إيران، تبدو غير واقعية وغير متطابقة مع توجهات معظم دول الخليج.

كيف يمكن فهم موقف المغرب: الخليج كجزء من الحدود الاستراتيجية، الاقتصادية والثقافية/العقدية للمملكة.

لفهم الموقف المغربي، لا يمكن إغفال البعدين الثقافي/العقدي والاقتصادي في بناء التوجه المساند لدول الخليج. هذه الدول، تعتبر حدودا استراتيجية للمغرب قد تشبه أهداف الحدود الترابية إلى حد بعيد، وعلى رأسها الاستقلالية ووحدة المصير وحماية الموارد. فالخليج الغرب يمكن اعتباره حدودا استراتيجية بعيدة جغرافيا، لكنها تشكل أحد شرايين الاقتصاد المغربي ولا يمكن قبول قطعها أو تفككيها. المنطقة مرتبطة بتغذية الجسد الاقتصادي المغربي، و أي تهديد لها هو تهديد مباشر لمصالح الاقتصادية (الاستثمارات، الطاقة، التنمية).

وفيما يتعلق بالحدود الثقافية والعقدية للمغرب، فإن دول الخليج وخصوصا المملكة العربية السعودية، تضم أماكن مقدسة تشمل جزءا من الشخصية المغربية في بعدها الروحي. وبلذك فإن أي توجه شيعي معادي لهذه البلدان، يشكل أيضا خطرا كامنا ضد الوحدة العقدية، قابلا للتوسع، والتأثير على منابع الشرعية الدينية الرسمية في المغرب، القائمة على إمارة للمؤمنين ذات التوجه للسني المالكي.

لذلك فإنه ربما يتعين أن ينظر إلى هذا الموقف المغربي، من زاوية الدفاع عن الحدود الإقتصادية و الثقافية/العقدية. فهي حدود أوسع مجالا من الجغرافية، في سياق المعارك المتعددة الجبهات التي تفرض على المغرب، بخصوص القضية الوطنية ثم قضايا التنمية الإقتصادية و الإجتماعية. هذه التقديرات قد تفسر مساندة المغرب لعدد من دول الخليج العربي، بإعتبارها حدودا اقتصادية و ثقافية مهمة و حيوية إلى درجة الشلل الجزئي في حال تعرضها للخطر. وقد مارست إيران نفس التوجه، عندما تدخلت مثلا في العراق وساعدت الولايات المتحدة الأمريكية ضد صدام حسين، أو في افغانستان، أو مساندة الهند ضد باكستان وغيرها. فيما يتعلق بالعراق، فإن الإيرانيين، ينظرون إلى النجف وإلى البصرة كحدود ثقافية للنظام، يجوز القتال فيها وحمايتها كجزء من الشخصية الشيعية. وهذا ما تفعله كل الدول الكبرى في تدخلاتها الخارجية، للحفاظ على حدودها الاستراتيجية التي تمد الجسد الوطني بعناصر البقاء و الحياة.

الحرب على إيران وتأجيج الصراع العقدي

من أخطر ما قد ينتج عن هذه الحرب، هو تأجيج الصراع العقدي الطائفي داخل نفس الدين، بين الشيعة والسنة. هذا الصراع قد يخدم أمريكا استراتيجيا على المدى الطويل. قد يكون الحضور الشيعي هو كبح “اتفاقي”، لحركات الاسلام السياسي السني، نظرا لما ظهر من خطورة لهذه الحركات، في مقاومة الغرب وفي نشر الفكر الجهادي، ما قبل الثورة الإيرانية، بل ومنذ قرون. لقد أظهر الإيرانيون دائما براغماتية كبيرة في قبول التفاوض، في مقابل حركات سنية جهادية ترفض أن تنصاع. لذا قد يكون الرهان على مواصلة إشعال الصراع الطائفية مستمرا، لتفتيت السنة وتمكين إيران “البراغماتية” من لعب دور جامح ودور التوازن في المنطقة.

هناك أربع محطات تاريخية قد تؤسس لهذه الفرضية: أول غزو العراق 2003 الذي أزاح دولة سنية بترولية وحولها إلى الحلف الشيعي، حرب 2006 بين حزب الله واسرائيل، التي أنتجت نموذج مقاوم، مفاوض شيعي، اغتيال سليماني 2020 الذي وحد الداخل الإيراني مؤقتا، ثم عملية طوفان الأقصى 2023 التي كشفت تردد الشيعة في دعم حماس السنية بالشكل الذي تدافع به ايران عن نفسها حاليا. فلو أن إيران فعلا كانت تعتبر غزة وفلسطين والقدس حدودا سياسية لها، وأنها لا تنظر إليها كورقة تفاوض، لكانت استعملت مضيق هرمز بدل مضيق المندب اليمني، و ربما كانت قد حققت نتائج سياسية مهمة جدا تحفظ بها من تسميهم حلفاءها في المنطقة.

في الختام، فإن هذه الحرب، وكعادة أي حرب تشتعل في المنطقة، يرافقها خطاب ديني “كهنوتي” كثيف، لفائدة مستهلكين ينتجهم الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ليصيروا جزءا من وقود حرب طائفية دينية مستعرة، في هذه الحرب وفي حروب المستقبل، وفي الانقسامات داخل الدول العربية أثناء وبعد كل حرب!

في زمن الحروب الكبيرة، يعود الخطاب الديني كأحد عناصر الصراع حسب القناعات الثقافية لكل طرف. شاهدنا كيف استعمل الدين والتاريخ في حرب اوكرانيا بصورة لافتة للانتباه. خطاب يعود بقوة في الحرب الحالية، إلى بيع بضاعتة من جديد وبقوة وإلى إعطاء طابع ديني تبريري للحرب، في سوق دينية مفتوحة، سواء عند الصهاينة أو عند الأمريكان أو عند الشيعة والسنة. فقد عادت الفتاوى والوعود الدينية إلى الواجهة، ولا أدل على ذلك مما يقوله نتنياهو عن دينية الحرب، أو أدعية المسيحيين في البيت الأبيض لترامب، أو كلمات الرسميين الايرانيين وعلى رأسهم المرشد الجديد مجتبى، أو ما ينشره عدد من علماء السنة. ومثال ذلك أيضا، ما جاء في خطبة العيد للمسؤول الديني المصري سيد عبد الباري، استعمال لغة شيعية في دعائه في صلاة عيد الفطر الأخير. هكذا تعرض هذه السلع “الدينية” لتباع وتستهلك، بهدف لا يمت بصلة إلى التقرب من الله، وإنما لإرسال الرسائل السياسية وحشد الجماهير، تماما كما قال بيير بورديو: إن الخطاب الذي لا سوق له يفقد قيمته ويتحول إلى مجرد كلام بلا تأثير!

*دكتوراه في علم الاجتماع السياسي من جامعة محمد الخامس بالرباط.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x