2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مع اقتراب انتخابات 2026، بدأت ملامح صراع جديد تتشكل في المغرب، لا يقتصر على الميدان السياسي في الفضاء التقليدي، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتصاعد مخاوف من تأثير ما يعرف بـ“الذباب الإلكتروني” و”الجيوش الوهمية” على توجيه الرأي العام، خاصة في ظل احتدام المنافسة حول التزكيات والصراعات المحلية داخل الأحزاب.
وكشف تحقيق استقصائي سابق، صادر عن شبكة “أريج”، عن وجود شبكة تضم أكثر من 140 حساباً، أغلبها وهمي، تنشط بشكل منسق على موقع فيسبوك بهدف “تشكيل الرأي العام والتأثير في الانتخابات”، من خلال نشر محتوى مضلل واستهداف الخصوم السياسيين، مع تضخيم سرديات داعمة لجهات سياسية معينة، حيث أوضح التقرير أن هذه الشبكات تشتغل كـ“آلة انتخابية صامتة” تعتمد على تكرار الرسائل وخلق تفاعل مصطنع يوهم بوجود دعم شعبي واسع.
وتبرز خطورة هذه الممارسات في طبيعة عملها، إذ تعتمد على نسخ نفس التعليقات ونشرها بشكل مكثف عبر حسابات متعددة، إضافة إلى استعمال هويات مزيفة وصور مسروقة، ما يسمح ببناء “رأي عام غير حقيقي” والتأثير في النقاش العمومي، خصوصاً خلال الفترات الانتخابية الحساسة.
في المقابل، يرى مروان هرماش، الخبير في الاتصال الرقمي، أن وتيرة الاستعداد الرقمي لانتخابات 2026 لم تبلغ بعد مرحلتها الحاسمة، مؤكداً أن “اليوم لم ندخل بعد مرحلة العمل المكثف في إطار الانتخابات التي ستقام في شتنبر 2026، على الأقل بشكل رسمي وعلى المنصات الرسمية للأحزاب”، مضيفاً أنه “لحد الآن ليس هناك بوادر واضحة على انطلاق الحملات الرقمية المنظمة”.
وأوضح هرماش، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن ما يجري حالياً يظل في إطار التحضير غير المعلن، قائلاً إن “الحديث اليوم يمكن أن ينصب على بداية التفكير الداخلي والمشاورات، دون الحديث عن أشياء يمكن رصدها بشكل واضح”، مشيراً إلى أن “حرارة التنافس لم ترتفع بعد بشكل رسمي”.
ورغم ذلك، يؤكد الخبير ذاته وجود استعمال مبكر لما وصفه بـ“الويب الأسود”، موضحاً أن “هناك استخداماً لما يمكن أن نطلق عليه ‘الويب الأسود’ من أجل حشد الأنصار وتوجيه الرأي العام، خصوصاً على المستوى المحلي، من خلال ترويج معلومات داخل دوائر محدودة”، وهو ما يعكس انتقال جزء من الصراع السياسي إلى مستويات أقل وضوحاً وأكثر تأثيراً.
ويأتي هذا في سياق تشهد فيه الساحة المحلية دينامية رقمية متزايدة، عبر صفحات فيسبوكية ومجموعات محلية تُتهم بخدمة أجندات سياسية، سواء بالترويج لإنجازات منتخبين أو مهاجمة خصومهم، بالتزامن مع صراعات داخلية حادة حول التزكيات، التي تعد أحد أبرز مفاتيح الفوز الانتخابي.
وفي قراءة موازية، يقلل بعض الباحثين من التأثير الفعلي لهذه الظاهرة على النتائج الانتخابية. وفي هذا السياق، قال الدكتور في التواصل السياسي، بالقاسم أمنزو، إن “ما يروج على شبكات التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية أو حقيقية، يبقى بنسبة كبيرة حبيس هذا العالم الافتراضي”، مضيفاً أن “ثقافة الاستهلاك أصبحت تغزو هذا الفضاء حتى صارت مسألة المعلومة أو الخبر تخضع لهذا التوجه الذي تغرقه التفاهة بشكل يسائل الجميع، إضافة إلى ظاهرة التشهير”.
وأضاف أمنزو، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أنه “لا يمكن الحديث عن تأثير هذا الفضاء الافتراضي على الواقع الانتخابي أو السياسي”، مستحضراً نتائج دراسات في علم الاجتماع السياسي، حيث أكد أن “تأثير وسائل الإعلام في الناخبين محدود وغير مباشر”، مذكرا بالدراسة التي قام بها عالم الاجتماع، بول لازارسفيلد، والتي أثبتت “أن تأثير وسائل الإعلام في الناخبين محدود وغير مباشر”
وأشار الأستاذ الزائر بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء إلى أن فئات من الشباب باتت تتعامل مع هذا المحتوى بنوع من السخرية، موضحاً أن ما يروج لا يعدو أن يكون “ثقافة الشبكات الاجتماعية” التي تعكس مستوى المتفاعلين معها، مضيفاً أن “العالم الافتراضي بشبكاته وإعلامه يمكن أن يتم توظيفه في الإلهاء لفترة قصيرة، مدة الاستهلاك، ولا يمكن أن يفيد في استراتيجية انتخابية أو إقناع الناخبين”.
وشدد أمنزو، على أننا اليوم “أصبحنا نسمع عند الطلاب وغير الطلاب من الشباب سخرية سياسية معبرة مفادها أن كل ما يروج يبقى فقط ‘ثقافة الشبكات الاجتماعية’ التي تعبر عن مستوى من يسايرها”.
وتأكيدا لرأيه بخصوص مدى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على الرأي العام، يرى أمنزو أنه “يمكن القول أن العالم الافتراضي بشبكاته وإعلامه يمكن ان يتم توظيفه في الإلهاء لفترة قصيرة، مدة الاستهلاك، ولا يمكن أن يفيد في إستراتيجية انتخابية أو إقناع الناخبين”.
وبالعودة إلى التجارب السابقة، يشير هرماش إلى أن “استعمال وسائل التواصل الاجتماعي في الاستحقاقات الأخيرة كان متفاوتاً حسب إمكانيات كل حزب وعقلية قيادته ومتوسط سن منتسبيه”، مضيفاً أن “هناك حزباً أو حزبين فقط استعملوا هذه الوسائل بمستوى يقارن بالتجارب العالمية، خصوصاً في فرنسا وبريطانيا، وهو مستوى أكثر من مقبول”.
وفي ظل هذا التباين في التقديرات، يرى متابعون أن “الفضاء الرقمي يلعب دوراً مكملاً أكثر منه حاسماً”، خاصة في ظل استمرار ما يوصف بـ“الفساد الانتخابي التقليدي”، المرتبط بشبكات النفوذ المحلية والقدرة التعبوية واستعمال المال الانتخابي.
ورغم ذلك، فإن المعطيات الجديدة، سواء المرتبطة بتنامي استعمال الحسابات الوهمية أو محاولات التأطير القانوني الجزئي، توحي بأن معركة انتخابات 2026 ستكون مزدوجة: ميدانية ورقمية، في ظل استمرار “حرب صامتة” على منصات التواصل الاجتماعي، قد تعيد تشكيل موازين التأثير داخل المشهد السياسي المغربي.