لماذا وإلى أين ؟

“الاستقلال” يقصف الأغلبية الحكومية بـ “ضربات تحت الحزام”

يبدو أن حزب الاستقلال، أحد مكونات التحالف الحكومي الثلاثي، بدأ مبكرًا في إعادة تموقعه السياسي داخل المشهد السياسي المغربي، من خلال الخروج عن “الانسجام الحكومي” في ملفات ذات حساسية اجتماعية ومهنية، وذلك على بعد أشهر قليلة فقط من الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026.

هذا التحرك، الذي يعتقد متتبعون أنه سيسير بسرعة أكبر كلما اقترب موعد الاستحقاقات القادمة، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي العام، حيث دخلت مكونات الأغلبية مرحلة “تسخين انتخابي” علنية، يسعى من خلاله كل حزب إلى تحسين موقعه في السباق نحو تصدر المشهد الحكومي المقبل، ولو على حساب التحالف الحكومي الحالي، وهو ما تم التعبير عنه صراحة من طرف قادتها في أكثر من مناسبة.

الساعة الإضافية.. ورقة رأي عام

في هذا الإطار، اختار الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب إطلاق النار على الحكومة من خلال ملف الساعة الإضافية من داخل البرلمان، عبر سؤال شفوي يسلط الضوء على آثارها الصحية والاجتماعية، مع التركيز على تزايد شكاوى المواطنين والمطالب بإلغائها.

السؤال لم يكن تقنيًا فقط، بل دعا إلى مراجعة نظام التوقيت بما “يستجيب لتطلعات المواطنين”، في إشارة إلى إدراك الحزب أن هذا الملف تحول إلى قضية رأي عام، مع ما يمكن تسميته بـ”شبه إجماع شعبي” على رفض استمرار العمل بـGMT+1، وهو ما يذكرنا بركوب الحزب على موضوع تسقيف أسعار المحروقات خلال انتخابات 2021 قبل أن يدفن الموضوع بعد دخوله الحكومة.

وبالنظر إلى الظرفية، وطبيعة الملف الذي بات يشغل جزءًا كبيرًا من الرأي العام، فإن رهان حزب الميزان هنا يبدو مزدوجًا؛ من جهة، تبني مطلب اجتماعي واسع الانتشار، ومن جهة أخرى، إحراج الحكومة التي هو جزء منها، عبر الدفع نحو مراجعة قرار ظل مثيرًا للجدل منذ سنوات.

العدول.. مواجهة من داخل البيت الحكومي

الرسالة الثانية، التي صدرت عن الحزب خلال الأسبوع الجاري فقط، جاءت من داخل الذراع النقابي للحزب، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وبالضبط من النقابة الوطنية لعدول المغرب، التي صعّدت لهجتها بخصوص مشروع القانون المنظم لمهنة العدول، وذهبت إلى حد الدعوة إلى وقفة احتجاجية أمام وزارة العدل.

البيان النقابي لم يكتفِ برفض المشروع، بل انتقد مسار تمريره داخل المجلس الحكومي، واعتبره نوعًا من “فرض الأمر الواقع”، في موقف يعكس بوضوح رغبة “الميزان” في الانسلال من مركب الأغلبية الحكومية وتحميل شركائه سلبياتها.

الأهم في هذه الخطوة أنها تكشف استعمال الحزب لقنواته الموازية للضغط السياسي، في وقت يُفترض فيه أن الخلافات تُدبَّر داخل المؤسسات الحكومية، لا في الشارع، علمًا أن هذه الملفات يتم نقاشها في المجلس الحكومي الذي يشارك فيه وزراء الأحزاب الثلاثة، بما فيهم الأمناء العامون الذين يشغلون مهام وزارية.

ما يقوم به حزب الاستقلال يمكن اعتباره معارضة صريحة لسياسات الحكومة، وخروج عن منطق “التضامن الحكومي”، أو على الأقل إعادة تفسير له بما يخدم حساباته الانتخابية ويجعله قادرًا على التبرؤ من قرارات لا تحظى بموافقة شعبية كبيرة.

معارضة من داخل الأغلبية

المفارقة أن هذا الحراك لا يأتي من المعارضة، بل من داخل الأغلبية نفسها، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة الصراع السياسي، حيث أصبح التنافس الحقيقي بين الحلفاء بدل الخصوم التقليديين.

وجدير بالذكر أن مكونًا حكوميًا سبق أن عبّر -بشكل مباشر- عن طموحه لقيادة الحكومة المقبلة، ما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى حملة انتخابية مبكرة، تُدار بأدوات مؤسساتية (أسئلة برلمانية) وأخرى ميدانية (احتجاجات نقابية).

ووفق مهتمين بالشأن الحزبي فالأشهر القليلة المقبلة مرشحة لمزيد من هذا “الاختلاف داخل الوحدة”، حيث ستسعى كل مكونات الأغلبية إلى التميز عن بعضها البعض، دون الذهاب بعيدًا نحو القطيعة.

وبالعودة إلى التاريخ القريب لآخر مشاركة حكومية لحزب الاستقلال، فهذه ليست المرة الأولى التي يختار فيها “خرق” ميثاق الأغلبية الحكومية، إذ سبق له في محطات سابقة أن عبّر عن مواقف “نصف معارضة” في قضايا اجتماعية واقتصادية حساسة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x