لماذا وإلى أين ؟

الدَّمغة” الدولية على مغربية الصحراء… فخمة وراسخة

طالع السعود الأطلسي
في الآونة الأخيرة شهدت وسائل الإعلام اهتمامًا متزايدًا بتداعيات أزمة الطاقة العالمية على المنطقة المغاربية، خاصة في ما يتعلق بدور الجزائر كمورد مهم للغاز الطبيعي إلى أوروبا. وقد ركزت الكثير من التعليقات والتحليلات على زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية “جورجيا ميلوني” إلى الجزائر، والتي جاءت في سياق البحث عن تعزيز التعاون في مجال الغاز، بعد تأثر الإمدادات العالمية بتداعيات التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما اضطرابات الإمدادات الناتجة عن التوترات في مضيق هرمز. وتُعد إيطاليا من أبرز الدول الأوروبية المعتمدة على الغاز الجزائري، حيث يشكل 30 في المئة من وارداتها.

وقد وصفت بعض الصحف الزيارة بأنها تحمل طابع “البحث عن بدائل” و”تعزيز التدفقات”. وبينما استخدمت بعض العناوين عبارات دراماتيكية مثل “إيطاليا تطلب النجدة من الجزائر”، ذهب البعض إلى ربط حاجة دول أوروبية إلى الغاز الجزائري بإمكانية تأثير تلك الحاجة على مسار حلّ قضية الصحراء المغربية، لجهة تغليب وقف المسار وعرقلته عبر تغيير المواقف المُعلنة للدول الأوروبية المؤيدة للموقف المغربي.

وتوصلت بعض المنابر الإعلامية إلى أن حاجة أوروبا إلى الغاز تمنح الجزائر فرصة لفرض مقايضة سياسية لصالحها. غير أن هذا الاستنتاج يقوم على قراءة تبسيطية تُشيع سردية لا تستند إلى حقائق مسار قضية الصحراء المغربية، ولا إلى طبيعة علاقات الاتحاد الأوروبي، جماعيًا أو منفردًا، مع كل من المغرب والجزائر. فمحاولة تصوير الأمر كإغراء لدول أوروبية للانشقاق عن الإرادة الدولية التي يجسدها قرار مجلس الأمن 2797، لا سند واقعيًا لها.

من يتبنى هذه السردية إما أنه لم يضع الصورة كاملة أمامه، مكتفيًا بأخبار متناثرة استقبلها بسذاجة واستعجال، أو أنه يروّج عمدًا لمعلومات هدفها التشويش على الديناميكية التي اكتسبها المسار الأممي لحل نزاع الصحراء المغربية. وترتبط هذه القراءات أساسًا بالمستجدات في علاقات الجزائر مع إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، والمتزامنة مع تداعيات الحرب في إيران، سواء في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو في صراعها مع جوارها العربي. ورغم أن الحرب سرّعت بعض الملفات وأدخلت موضوعات جديدة إلى جدول المباحثات، فإن جوهر تلك المستجدات كان مبرمجًا مسبقًا.

العلاقات الجزائرية – الإيطالية تحمل خصوصية واضحة، قد تحاول الجزائر توجيهها لصالحها، لكنها تبقى طرفًا واحدًا في معادلة معقدة، حيث للطرف الآخر تقديراته والتزاماته داخل مجموعته، ومع المغرب في إطار الإرادة الدولية. فالموقف السياسي الأوروبي ليس مجرد مجاملة، بل هو نتاج معادلة تقوم على المصالح، ويستمر ما دام يحقق لتلك الدول شروطها ومكاسبها، بعيدًا عن الأهواء أو الضغوط الظرفية.

لأول مرة في تاريخ نزاع الصحراء المغربية، يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا بالاتفاق الكامل لجميع الدول الأعضاء فيه، وعددها 27 دولة، وذلك في يناير الماضي خلال اجتماع الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية في بروكسل، حيث أشاد بـ”اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للقرار 2797، الذي يدعم بشكل كامل الجهود التي يبذلها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص من أجل تيسير وقيادة المفاوضات على أساس مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب”، معربًا عن ترحيبه بـ”إرادة المغرب لتوضيح كيفية تنزيل الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية”.

إنه التزام أوروبي واضح وموحد بإسناد مسار حل نزاع الصحراء المغربية وفق ما قرره مجلس الأمن، وبتبنٍّ صريح لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهو التزام يعزز الاتجاه نفسه الذي عبرت عنه دول الاتحاد منفردة في سياق علاقاتها الخاصة مع المغرب، كما هو الحال بالنسبة إلى فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وهي منطلق موضوع هذا المقال.

المسار الذي حددته الإرادة الدولية لحل نزاع الصحراء المغربية، على أساس مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يسير بثبات نحو اكتساب قوة القرار النهائي الملزم، بفضل وضوح الالتزام الدولي الواسع به. ويشمل هذا الالتزام الاتحاد الأوروبي بكامل دوله السبع والعشرين، وفي طليعتها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى بريطانيا، وغالبية دول أفريقيا، ودول القارتين الأميركيتين شمالًا وجنوبًا، فضلًا عن شبه إجماع عربي. وهو بذلك يحوز شرعية دولية متماسكة وثابتة، لا تسمح بالتشكيك فيها أو بمحاولة إعادتها إلى أسئلة البدايات والالتباسات الماضية.

محاولات الضغط على دول وازنة أعلنت دعمها للموقف المغربي في قضية الصحراء لم تحقق أي نتيجة. واليوم يمكن القول إن الجزائر بدأت تتجاوز مواقفها السابقة، إذ تسعى إلى تحسين علاقاتها مع فرنسا وإسبانيا، وقد بدأت الاتصالات بالفعل مع حكومتيهما. ورغم أن هاتين الدولتين ما زالتا متمسكتين باعترافهما بمغربية الصحراء ودعمهما لمقترح الحكم الذاتي، فإن الجزائر تحاول التعامل معهما كما هما، باعتبارهما طرفين أساسيين في تنفيذ القرار الأممي ومواكبته بحكم علاقاتهما التاريخية بالقضية.

وهي خطوات مهمة تُقدم عليها الجزائر؛ أولًا، قد تفيد في حسن إدارة شأنها الوطني بأبعاده السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وثانيًا، تقرّبها من فض نزاعها مع المغرب، وهي أكبر المتضررين منه، لأن الإرادة الدولية التي انتصرت لحق تاريخي مغربي هي نفسها التي تحتاج إلى تحرير طاقات المغرب والجزائر من كوابح التوتر.

في خلفية الاهتمام الدولي بالمنطقة والإصرار على حل نزاع الصحراء، هناك رفض واضح لفكرة إنشاء كيان انفصالي جديد. كما يبرز دور أساسي يُنتظر من المغرب والجزائر معًا في شمال أفريقيا لتنشيط الاقتصاد الإقليمي وربطه بالامتداد الأفريقي. وهذا الدور لا يخدمهما فقط، بل يفيد أيضًا أفريقيا ككل، ودول حوض المتوسط، إضافة إلى القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين.

أفريقيا فضاء جاذب ومؤثر في العالم، والعالم بدوره يحمل تطلعات فيها ولها. وقد أثبت المغرب أنه جعل القارة جزءًا من آليات تدبيره لحاضر مقومات كيانه ولمستقبله، ثمرة للتوجه الأفريقي الذي أطلقه الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، عبر زيارات شملت معظم جغرافية القارة، وعشرات الاتفاقيات الثنائية، والدفع نحو انفتاح الإنتاج والاستثمار المغربي على أفريقيا، ومشاريع استراتيجية مثل ميناء الداخلة، والمبادرة الأطلسية نحو دول الساحل والصحراء، وأنبوب الغاز نيجيريا – المغرب المتجه إلى أوروبا، إضافة إلى العودة الفاعلة إلى الاتحاد الأفريقي كمرجع في الحكامة الدبلوماسية.

كل القوى الدولية الوازنة تولي المغرب اهتمامًا بالغًا، وتربطها به مصالح جيواستراتيجية حيوية، يجيد المغرب صياغة تقاطعاتها بما يخدم مصالحه. وهي ترى فيه طرفًا جديرًا بأن يسهم في استمالة الجزائر إلى نفس الديناميكية، بما يفتح المجال أمام تنافع ثنائي يهيئ للإسهام في تنافع أفريقي أوسع، قارّيّا وعالميّا.

في تقديري، هذا هو البعد العميق الذي يفسر الحماس الدولي لحل نزاع الصحراء المغربية على أساس الاعتراف بالحق الوطني المغربي. وهو أيضًا السبب الذي يجعل من المستحيل الدخول في أي مساومة دبلوماسية تعيد مسار الحل إلى الوراء.

ومن المؤكد أن علاقات الجزائر الدولية ستدفعها في النهاية إلى إعادة صياغة مفاهيمها السياسية، والإنصات بجدية إلى صوت القرار الأممي، بما يفتح أمامها آفاق المستقبل إلى جانب المغرب، وفي إطار أوسع يشمل المنطقة المغاربية والأفريقية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x