2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
يشهد المغرب تحوّلاً لافتاً في عقيدته الدفاعية، مع اتجاهه نحو إعادة تعريف استراتيجيته في مجال الاستخبارات الجوية، خاصة في ما يتعلق بقدرات الرصد والاستطلاع والمراقبة (ISR). ويعكس الاهتمام ببرنامج “HADES” الأمريكي، الخاص بطائرات التجسس الحديثة على ارتفاعات عالية، طموح الرباط للانتقال إلى مستوى تكنولوجي متقدم يواكب التحديات الإقليمية والدولية.
وحسب صحيفة “ديفينسا” الإسبانية المتخصصة في أخبار الدفاع، فتُعد منظومة الاستخبارات والمراقبة الجوية حجر الأساس في أي استراتيجية دفاعية حديثة، وهو ما دفع القوات المسلحة الملكية إلى مراجعة خياراتها السابقة والبحث عن حلول أكثر تطوراً. فالمغرب يسعى إلى امتلاك قدرات متقدمة في كشف التهديدات بعيدة المدى، خاصة في مناطق استراتيجية تمتد من الصحراء المغربية إلى منطقة الساحل، وصولاً إلى الواجهة الأطلسية والممرات البحرية الحيوية.
في هذا السياق، سبق للقوات الجوية المغربية أن درست اقتناء طائرات “Gulfstream G550” وتحويلها إلى منصات متخصصة في جمع المعلومات الاستخباراتية الإلكترونية (SIGINT/ELINT). ورغم تداول معلومات بين 2019 و2021 حول صفقة محتملة تشمل عدة طائرات وتعاون مع شركات أمريكية كبرى لتجهيزها، إلا أن المشروع لم يرَ النور بشكل رسمي، لأسباب يرجّح أنها تقنية ومالية، أو مرتبطة بتغيير الأولويات الاستراتيجية.
غياب هذه المنصة المتخصصة أبقى سلاح الجو معتمداً على وسائل أقل تطوراً، مثل طائرات “Dassault Falcon 20”، وهو ما عزز الحاجة إلى قفزة نوعية في هذا المجال. ومن هنا جاء التحول نحو برنامج “HADES” الذي يمثل جيلاً جديداً من أنظمة الاستخبارات الجوية المتكاملة.
ويعتمد برنامج “HADES” على طائرة “Bombardier Global 6500”، التي تتميز بقدرات أعلى من حيث المدى والحمولة والارتفاع، ما يتيح لها تغطية مساحات واسعة والبقاء في الجو لفترات أطول. كما أن البرنامج لا يقتصر على الطائرة نفسها، بل يشمل نظاماً متكاملاً من أجهزة الاستشعار المتطورة القادرة على اعتراض وتحليل الإشارات الإلكترونية وتحديد مواقع الرادارات، إلى جانب إمكانيات الحرب الإلكترونية.
ويتميّز هذا البرنامج أيضاً بمنهج تطوير عملي اعتمده الجيش الأمريكي، حيث تم اختبار تقنياته عبر مهام حقيقية في مناطق حساسة، ما سمح بجمع بيانات دقيقة وتحسين الأداء قبل دخوله الخدمة رسمياً. هذا النهج يمنح “HADES” أفضلية من حيث الجاهزية والقدرة على مواجهة التهديدات المعاصرة والمستقبلية.
ورغم الطموح الكبير، فإن مسار اقتناء هذه المنظومة يظل معقداً وطويل الأمد، إذ سيمر عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية (FMS) الأمريكي، ما يتطلب مفاوضات وموافقات متعددة. كما أن دخول هذه الطائرات الخدمة في المغرب، في حال إتمام الصفقة، لن يتم قبل بداية العقد المقبل، بالنظر إلى مراحل الإنتاج والتجهيز.
في المحصلة، يعكس توجه المغرب نحو برنامج “HADES” رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تهدف إلى امتلاك تفوق نوعي في مجال الاستخبارات الجوية. وإذا تحقق هذا المشروع، فقد يضع المملكة ضمن دائرة محدودة من الدول التي تمتلك قدرات متقدمة في هذا المجال، ما سيؤثر بشكل مباشر على موازين القوى التكنولوجية والعسكرية في شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.