2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
كيف ينظر الجيل الجديد في المغرب إلى الإنتخابات المقبلة؟ (سوسيولوجي يُجيب)
تطرح الانتخابات المزمع إجراؤها في شتنبر المقبل، إشكالية سوسيولوجية تتجاوز ثنائية المشاركة والعزوف لتلامس جوهر التغير في التمثلات الذهنية لدى الجيل الجديد من المغاربة.
يتعلق الأمر بجيل نشأ في فضاءات تداولية مفتوحة، ووُلد وسط عالم رقمي بامتياز. جيل يبدو للبعض “غير مبال” بالسياسة بمعناها التقليدي، رغم أنه غارق في النقاشات العامة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإن بطريقته.
بالنسبة لهؤلاء الشباب، الفئة التي باتت تنعت بـ ”جيل زد”، فإن العمل السياسي لا يبدأ من مقرات الأحزاب ولا ينتهي عند الوعود الانتخابية، بل يمر عبر “تيك توك” و”فيسبوك” ومنصات ”ديسكورد”، حيث يعبرون عن تطلعاتهم بلغة مختلفة تماما.
جيل يرى في الانتخابات مجرد “إجراء تقني” إذا لم تترجم نتائجه إلى فرص حقيقية في التعليم والشغل والكرامة، وبات ينظر إلى العملية التشريعية من زاوية “اللاجدوى” أحيانا، أو كـ “طقس مؤسساتي” لا يلامس طموحاتهم المرتبطة بالكرامة، الشغل، والعدالة الاجتماعية.
ويمارس الجيل “سياسة بديلة” خارج الأطر التقليدية (الأحزاب والجمعيات)، ما يجعل فعل التصويت بالنسبة إليه يفتقد لصبغته كأداة للتغيير الجذري.
وسط هذه التغيرات الجذرية في بنية المجتمع المغربي، يظهر سؤال مدى قدرة الأحزاب بمختلف تلاوينها، في كسر جدار الشك وإقناع هذا الجيل الرقمي بأن صوته قادر على صنع التغيير في أرض الواقع، أم أن المسافة ستزداد بين لغة السياسيين واهتمامات شباب يعيش في عالم مواز؟ .
في نفس السياق وفي معرض حديثه عن الانتخابات بالمغرب كممارسة مُواطِنة، يرى عبد الفتاح الزين، سوسيولوجي مغربي، أن الانتخاب ظاهرة اجتماعية معقدة تشمل متغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية، لافتا إلى أن أعمالا رائدة لعدد من السوسيولوجيين من أمثال سيمور مارتن ليبسيت وبيير بورديو، أظهرت أن التصويت مرتبط بالبنية الاجتماعية وأشكال القوة الرمزية.

فبالنسبة لهؤلاء السوسيولوجيين، يوضح الزين، يظهر أن الأبعاد الرئيسية التي اهتموا بها تتعلق بالمحددات الاجتماعية للتصويت من حيث الانتماء الطبقي، والمستوى التعليمي، والمنطقة الجغرافية، والمعتقد، والجيل.
وأضاف المتحدث أن هذه المحددات تتأثر بالسلوكيات السياسية التي تتجلى في الولاء الحزبي أو التصويت الاحتجاجي أو الامتناع عن التصويت، مبرزا أن ذلك ”يساعد على فهم تقلبات الانتخابات”.
كما شدد الزين على أن لـ ”الشبكات والوساطات دورها الذي يتجلى في قوة الأحزاب السياسية التي قد تستثمر في الشخصيات المحلية البارزة، بالإضافة إلى الأدوار التي تلعبها وسائل الإعلام إلى جانب الشبكات الاجتماعية، التي أصبح لها دور متعاظم”.
وأضاف نفس الخبير في العلوم الاجتماعية أن المسألة الانتخابية تؤطرها ”التمثيلات الرمزية والتي تعمل على شكل هويات جماعية أو من خلال تأثيرات الخطاب السياسي، ناهيك عن المخيالات الوطنية”، مبرزا أن الهدف يكمن في ”فهم دوافع تصويت المواطنين، بما يتجاوز القواعد الشكلية والمتمثلة في القوانين”.
كما ربط عبد الفتاح الزين الانتخابات المقبلة، برهانات تتجاوز ما هو وطني، حيث تعمل العولمة، وفق تعبيره، على تحويل العملية الانتخابية إلى ”رهانات عالمية ذات بعد وطني”، وفيها ”يصوت الناخبون الآن على مواضيع تتجاوز حدود الدولة، مما يجبر المرشحين على تحديد موقفهم بشأن القدرة الشرائية والتضخم، التحول المناخي، السيادة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي…”.
ووضع الباحث عينه مجموعة من السيناريوهات المحتملة، من الناحية السوسيولوجية لاستحقاقات 2026، من بينها ظهور حركة شبابية قد تنجب حزبا جديدا، لافتا إلى أن تقديم دعم مالي لكل مترشح غير منتمي حزبيا من بين الشباب، بعد الاحتجاجات العارمة لجيل زد ”يذكر بصناعة أول حزب في بداية المسلسل الديموقراطي في السبعينيات، لكن بتقنيات جديدة تقوم على نوع من المشروعية المجتمعية”.
فيما يخص رهان المشاركة، يرى عبد الفتاح الزين يرى أنها تظل رهينة بوجود “مناخ ثقة”. كما يتطلب الأمر، وفق المتحدث، ”التزاما من قبل الدولة والأحزاب السياسية وممثليها بالاحتكام إلى منظومة حقوق الإنسان بكافة أجيالها ومستوياتها، إذ بدون هذا الأساس الحقوقي، تفقد الممارسة الانتخابية قدرتها على إقناع المواطن بجدوى صوته”.
في المقابل، يشخص الزين حالة “انعدام الثقة” كدافع رئيسي لتحول الناخبين، خصوصا الشباب، نحو أشكال احتجاجية ومسارات بديلة للمشاركة. ففي ظل غياب الطمأنينة تجاه المؤسسات التقليدية، يتجه المواطنون إلى ابتكار أشكال تنظيمية جديدة، التي أصبحت تشكل فضاءات للتعبير عن الغضب وصياغة المطالب خارج الأطر الحزبية الكلاسيكية.