لماذا وإلى أين ؟

​الغنبوري: قيمة تمويلات برامج التنمية لا تُقاس بالحجم، بل بمدى توجيهها نحو الأولويات الاجتماعية

أطلق المغرب ورشاً جديداً يتعلق ببرامج التنمية الترابية المندمجة، وفق عرض قدمه وزير الداخلية أمام المجلس الوزاري المنعقد يوم 9 أبريل الجاري، برئاسة الملك محمد السادس، في خطوة تعكس تحولاً في مقاربة إعداد السياسات العمومية، عبر الانتقال من منطق مركزي إلى نموذج يقوم على الإنصات المباشر لحاجيات المواطنين على المستوى المحلي.

ويقوم هذا الورش، بحسب المعطيات الرسمية، على استخلاص أولويات التنمية من التشخيصات الترابية التي أُنجزت بمختلف عمالات وأقاليم المملكة، بعد تنظيم مشاورات واسعة مع الساكنة، همت قضايا أساسية مثل الشغل، والصحة، والتعليم، والماء، والتأهيل الترابي، بما يسمح بتحديد دقيق لنقاط القوة والضعف على مستوى كل مجال ترابي.

ويراهن هذا المشروع، الذي رُصد له غلاف مالي يناهز 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات، وفق بلاغ صادر عن المجلس الوزاري، على تحسين ظروف عيش المواطنين وصون كرامتهم، عبر تعزيز جاذبية المجالات وتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل، في انسجام مع التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل الأثر الاجتماعي في صلب السياسات العمومية.

في هذا السياق، أكد الخبير في السياسات العمومية، علي الغنبوري، أن “الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع تكمن في كونه يؤسس لــجيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، قائم على منطق الإنصات للحاجيات الحقيقية للمواطنين على مستوى كل عمالة وإقليم، بدل المقاربات المركزية الموحدة، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على الاستجابة للفوارق المجالية والاجتماعية، خاصة في مجالات الشغل، والصحة، والتعليم، والماء، والتأهيل الترابي”.

ويرى الغنبوري، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، “أن هذا المشروع يترجم توجهاً مؤسساتياً جديداً يجعل تحسين ظروف العيش وصون الكرامة والرفع من جاذبية المجالات غاية مباشرة للسياسة العمومية، وهو ما يمنح هذا الورش بعداً تنموياً واجتماعياً عميقاً، لأنه لا يقتصر على البنيات فقط، بل يستهدف الأثر المباشر على حياة المواطنين.”

وفي هذا الإطار، يضيف مدير البرامج بمرصد العمل الحكومي أن “أهمية هذا المشروع تزداد أيضاً من زاوية الحكامة، إذ تم بناؤه على هندسة متعددة المستويات، تبدأ محلياً عبر لجان يقودها العمال، وتمر جهوياً تحت إشراف الولاة، ثم وطنياً عبر لجنة برئاسة رئيس الحكومة، مع اعتماد مؤشرات للتتبع، والتقييم، والتدقيق السنوي، ومنصة رقمية للشفافية، وهو ما يعكس انتقالاً من منطق صرف الاعتمادات إلى ثقافة النتائج وقياس الأثر.”

وعلى مستوى التمويل، يطرح الغلاف المالي المرصود رهانات كبرى تتعلق بمدى نجاعته في إحداث أثر ملموس، حيث يشير الخبير ذاته إلى أن “رصد 210 مليار درهم على مدى 8 سنوات، يبدو، من حيث المبدأ، كبيراً ومؤهلاً لإحداث فرق ملموس، لأنه يعادل في المتوسط أكثر من 26 مليار درهم سنوياً، وهو رقم يسمح بتمويل مشاريع بنيوية وخدماتية ذات أثر مباشر، خاصة إذا تم توجيهه وفق التشخيص الترابي الدقيق الذي أعلن عنه المجلس الوزاري”.

واستطرد الغنبوري: “غير أن القيمة الحقيقية لهذا الغلاف المالي لا تُقاس فقط بالحجم، بل بمدى حسن توجيهه نحو الأولويات ذات المردودية الاجتماعية السريعة، مثل فك العزلة، وتقوية العرض الصحي والتعليمي، وتحسين الولوج إلى الماء وفرص الشغل، لأن هذه المجالات هي التي يشعر بها المواطن بشكل يومي.”

ويربط نجاح هذا الورش، وفق القراءة ذاتها، بمدى احترام شروط الحكامة الجيدة، حيث يؤكد الغنبوري أن “هذه الميزانية قادرة فعلاً على تحسين جودة الخدمات إذا تم احترام ثلاث شروط أساسية، أولها نجاعة التنفيذ، وثانيها الالتقائية بين القطاعات، وثالثها ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن البلاغ تحدث بوضوح عن تدقيق سنوي مشترك، وعن آليات جديدة للتنفيذ عبر شركات مساهمة جهوية أكثر مرونة ونجاعة.”

ويكتسي هذا المشروع بعداً مؤسساتياً أوسع، بالنظر إلى تزامنه مع مصادقة المجلس الوزاري على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، في اتجاه ترسيخ جهوية متقدمة قادرة على تنزيل هذه البرامج ميدانياً، عبر تقوية اختصاصاتها ومواردها المالية.

وفي هذا الصدد، يوضح الغنبوري: “أعتقد أن علاقة هذا الورش بمشروع الجهوية علاقة عضوية ومباشرة، لأن المجلس الوزاري نفسه صادق، في الآن ذاته، على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، بما يهدف إلى إرساء جهوية متقدمة قوية ومنتجة، قادرة على حمل هذا الجيل الجديد من البرامج، بمعنى أن برامج التنمية الترابية تمثل الأداة العملية والميدانية، بينما يشكل إصلاح الجهوية الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يضمن لها الفعالية والاستدامة.”

وأضاف المتحدث ذاته أن “تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة يترأسها رؤساء الجهات يبرز بوضوح أن الدولة تتجه نحو ربط الجهوية بالفعل التنموي المباشر، وليس فقط بالتمثيلية السياسية، وهو تحول مهم، لأن الجهة ستنتقل من فضاء للتداول والبرمجة إلى فاعل تنفيذي يمتلك أدوات التدبير والتمويل والسرعة في الإنجاز.”

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x