2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
ذ. محمد بادرة
التجربة الحزبية في المغرب تبقى تجربة معاقة في ظل واقع سياسي – حزبي متشرذم ومتلاشٍ، وفي ظل غياب أفق ديمقراطي حقيقي يربط ممارسة السلطة بالإرادة الشعبية. ولن ترقى التجربة الحزبية المغربية إلى تحقيق التمثيلية الديمقراطية الحقة التي تعد معيار المشروعية السياسية، إلا بوجود أحزاب سياسية مستقلة، قوية، نظيفة، حاملة لمشاريع وبرامج عاكسة لأهداف اجتماعية واقتصادية وثقافية، تترجم عملياً على مستوى الواقع، وتحقق التمثيلية الشعبية التي تبلورها تشريعياً وتدبيرياً والتناوب على ممارستها، وليس لإنتاج الشعارات أو استهلاك الخطاب التبشيري.
أصبح من المسلم به اليوم كما بالأمس أن أغلبية الأحزاب المغربية تبقى تنظيمات غير ديمقراطية، لا تمارس بين صفوفها أية ممارسة ديمقراطية داخلية حقيقية، رغم كل ما تتخفى وراءه من شعارات وأدبيات تؤكد على الاختيار الديمقراطي. بل ومن غرائب صورها أنها درجت منذ وقت غير قصير على مطالبة السلطة السياسية بضمان نزاهة الانتخابات وإرساء ركائز دولة الحق والقانون، في الوقت الذي لا تحترم داخلها أية مبادئ ديمقراطية. فالتزكيات والترشيحات الانتخابية في مواقع المسؤولية هي نتاج السلطة التقديرية للزعيم أولاً، وللقيادة الحزبية التابعة والخاضعة للزعيم ثانياً، وضمن منطق العلاقات الشخصية أو النفوذ المالي والعائلي. وهي أحزاب تراهن على الأعيان ورجال المال وذوي النفوذ وعلى “كرمهم”، وتراهن على شبكة الوساطة في العلاقات “الاقتصادية والاجتماعية” والامتيازات الريعية التي تنسجها مع هذه الشخصيات (المالية) كحفنة انتهازية، أكثر مما تراهن على منخرطيها ومناضليها. بل إنها تحتقر النخب السياسية المحترفة وتستبعد الكفاءات الحزبية الفاعلة في جمعيات المجتمع المدني والنقابي، وتدوس على ثقافة التعاقد الأخلاقي والنضالي والمساءلة الحزبية!!!! .
هذا الواقع الحزبي المعاق يمكن أن يهدد البناء الديمقراطي العام ويحد من الممارسة الديمقراطية، مما يطرح ضرورة الإصلاح السياسي والتطوير الدستوري والقانوني للأحزاب من أجل إعادة بناء مفهوم جديد للحزب يمكّن جميع المواطنين والفاعلين وكل النخب والتيارات والفئات من السعي للوصول إلى المؤسسات الدستورية التمثيلية والتنفيذية وتطبيق برامجها السياسية والانتخابية عبر شرعية وثقافة المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، مع إعادة النظر في علاقة السياسي بالمجتمع وقضاياه عن طريق ردم الهوة بين العمل السياسي والعمل الجمعوي، والذي تسعى بعض الجهات واللوبيات إلى تمريغه في وحل القيم الدنيئة والمنحطة.
وعن التماثل الكبير بين المجال السياسي (الأحزاب) و”السوق” الانتخابية من حيث الشكل والآليات، يرى الباحث الفرنسي دانييل غاكسي، كما جاء في كتابه (الديمقراطية التمثيلية)، أن قانون “السوق السياسية” هو القانون الحاسم الذي تخضع له العملية “الديمقراطية”. وهي العملية نفسها التي يرى بأنها تهدف إلى الاستيلاء على مواقع سلطوية في الدولة حين يتزاحم الفاعلون السياسيون ويتصارعون من أجل الوصول إلى مؤسسات الحكم، التشريعية منها والتنفيذية (البرلمان – الوزارات)، أو مؤسسات الحكم والتسيير على المستويين الجهوي والمحلي (المجالس والجماعات). كما أن شرط الوصول إلى هذه المؤسسات يتطلب أساساً الهيمنة على السوق السياسية والتحكم فيها بكسب أصوات الناخبين الذين هم بمثابة زبائن أو مستهلكين سياسيين. وما يزكي هذه الصورة التجارية للعملية الديمقراطية الأهمية الخاصة للمال والإعلام في العمليات الانتخابية. فرواج المال في هذه العملية معناه أن البائع في أمسّ الحاجة إلى هذه البضاعة (صوت الناخب)، مما يدفع هذا الأخير إلى المطالبة بالأداء العيني المباشر عبر تقديم إعانات أو خدمات. كما أن الإعلام في هذه الحالة يقوم بدور تلميع البضاعة وصاحبها وتلميع صورة حاملها لضمان ممارسة الإغراء والجاذبية اللازمتين لرواج البضاعة. (محمد سبيلا)
الفساد يتسرب إلى الأحزاب:
الفساد السياسي يدرج عادة ضمن لائحة المفاهيم “العائمة” التي يصعب الإمساك بكل أبعادها، لكن آثاره في حياة الناس تبدو محسوسة ومرئية من خلال الاختلالات البنيوية والاجتماعية في توزيع الثروات والموارد، أو عن طريق “التسلل” والنفاذ إلى دوائر الحكم بالتزوير والفساد، أو باستغلال الإدارات والخدمات العامة في خدمة المصالح الشخصية، ثم الشعور العام باللاعدالة والإقصاء الاجتماعي والهامشية. ورغم أن كل الأحزاب السياسية بكل تلاوينها واتجاهاتها تتبنى في خطاباتها شعار محاربة الفساد، فإن هذا الشعار الناصع يحمل في طبيعته العائمة قابلية لاستخدامات سياسية وإيديولوجية مختلفة، بل ومتناقضة أحياناً، من قبيل الوعد بالتغيير والإصلاح ومحاربة اقتصاد الريع وكل مظاهر الزبونية وعلاقات الولاء والامتيازات. لكن هذه الشعارات السياسية قد تبقى مجرد خطابات تبشيرية ودعايات إعلامية انتخابوية تنتهي مع انتهاء الحملات الانتخابية، فتضر أكثر مما تنفع…
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجماعية، تطفو على السطح مخاوف من سطوة المال السياسي الفاسد، مما يفسد الحياة السياسية والبرلمانية المغربية ويحوّلها إلى منصة لتحقيق مصالح فردية وشخصية… “سياسيون” يغيرون انتماءاتهم الحزبية مع كل استحقاق انتخابي، مما يؤثر على المشهد الحزبي الوطني وعلى ثقة المواطن في الأحزاب وفي الانتخابات.. “هواة” السياسة يبحثون عن تزكيات للترشيح لدى أحزاب غير الأحزاب التي ينتمون إليها، ويعرضون “كرمهم” على قادة هذه الأحزاب، فيطفو على السطح المال الفاسد مع كل استحقاق انتخابي، بالرغم من وجود سلسلة من النصوص القانونية والتشريعات والإصلاحات، بما في ذلك القوانين الانتخابية وأجهزة الرقابة المكلفة بضمان نزاهة العملية الانتخابية.. ومثار القلق بالنسبة للمواطنين وكل المراقبين للشأن السياسي هو حجم وعدد المرشحين الذين انتظموا داخل الأحزاب دون أن يتوفروا على رصيد سياسي – نضالي أو يتدرجوا عبر التسلسل القيادي من القاعدة إلى الأجهزة الحزبية العليا، وإنما لديهم ملاءمة مالية (فقط). ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي “تعزز” الأحزاب السياسية المغربية صفوفها بلائحة واسعة من رجال المال والأعمال والمستثمرين والمقاولين والأعيان، حتى بات المال السياسي والنفوذ (الرأسمالي) لرجال الأعمال يهددان بنية الأحزاب السياسية، وهي التي كانت في السابق تعتمد على نخبة مجتمعية تنشط في العمل الجمعوي والاجتماعي والسياسي والثقافي والإعلامي، ومن طبقات دنيا أو متوسطة (رجال ونساء التعليم – التجار – الفلاحون – العمال – المستخدمون – المهنيون – جامعيون…)، لكن تراجعت هذه الفئات لصالح رجال المال والأعمال والأعيان، لأن الحصول على المقعد البرلماني يمكنه أن يعود عليهم بمكاسب مادية وسياسية وإدارية وسلطوية..
ومن باب الإشارة، فإنه لا يمكن تجريم المال السياسي إذا كان يسعى إلى تمويل الحملات الانتخابية (وليس شراء الأصوات الانتخابية) وضمن الضوابط القانونية. وفي هذا الإطار، يمكن التذكير بدور المجلس الأعلى للحسابات، وهي مؤسسة دستورية تتولى مراقبة وتدقيق الحسابات المالية للأحزاب السياسية والتحقق من صحة نفقاتها ومصادر تمويلها، قصد تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة، عبر فحص الدعم العمومي الممنوح للأحزاب وإلزامها بإرجاع المبالغ غير المستحقة. وجاء في تقرير حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم المالي العمومي للسنة المالية 2023، والصادر في أبريل 2025، عدد من الملاحظات، ومن أبرزها:
• إدلاء 27 حزباً من أصل 33 حزباً بحساباتها السنوية، من بينها خمسة حسابات خارج الأجل القانوني.
• تقديم 19 حساباً مشهوداً بصحته بدون تحفظ، وأربعة حسابات بتحفظ، وأربعة حسابات غير مشهود بصحتها.
• نقائص تتعلق بالتدبير المحاسباتي همّت 23 حزباً، تستدعي العمل على تجاوزها.
إذا كان عدد من الأحزاب السياسية المغربية قد فشل في تدبير شفاف لمالية الحزب، فكيف لها أن تدير دفة البلاد بأكملها، علماً أن الدستور خوّل للأحزاب السياسية تأطير المواطنين كما جاء في الفصل السابع منه؟
وعندئذ يمكن فهم نظرة الاحتقار والازدراء التي يحتفظ بها الرأي العام للطبقة السياسية، وهكذا هجر الشارع السياسة لأنه رأى فيها من الخداع والمؤامرات والزيف والتزوير والمحسوبية والفساد وكل علامات الشر.. وهجرت السياسة الشارع لأنها رأت فيه ما لا قبل لها من اللامبالاة والصمت والردّة والجمود وكل مظاهر الموت السياسي!!!
إن الحرب على الفساد السياسي والمال الفاسد بقيت ضمن إطار أخلاقي، حيث لا يُرجع الفساد إلى منشئه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وإنما – فقط – إلى جانبه الأخلاقي (انحراف النخب) أو إلى ضعف وتقصير (إدارة الانتخابات). وهذه الآلية الوقائية والأخلاقية إنما تسعى إلى تلميع صورة المؤسسات والأجهزة الإدارية والقانونية دون إعلان الحرب على بيئة الفساد.. كما أن الحرب على الفساد تجري في ظل عجز مؤسساتي وفي إضعاف مسارات دمقرطة الحرب على الفساد (منظمات المجتمع المدني المستقلة – هيئات رقابية دستورية – قوانين حماية المبلغين عن الفساد).
إنه لا يمكن بناء الثقة في كتلة المقاطعين والرافضين للعملية الانتخابية، والذين يشكلون أغلبية انتخابية ما انفكت رقعتها (كتلة رقمية هائلة) تنمو وتتزايد باستمرار، ويستشعرون الإحساس بالاغتراب والتهميش… لن نخرج من هذا المشهد السياسي المغربي المأزوم دون وضع حد للفساد السياسي والمال السياسي الفاسد.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.
ملاحظات على المقال: اولا الاحزاب هي جزء من الوضع السياسي وليست هي كل الواقع السياسي الذي يعزي إليه الكاتب واقع الفساد،
تانيا الكاتب يجمع كل الاحزاب في سلة واحدة ويعزي إليها واقع الفساد والعجز على محاربته دون دكر مصدر الفساد وبؤرة تمركزه في اجهزة الدولة والادارة.
تالتا، المقال تنقصه النظرة التاريخية لواقع الصراع السياسي حول تدبير السلطة، والذي عرف مدا وجزرا عبر مراحل مختلفة مند الاستقلال، بمعنى ان مجال الصراع حول تصورات الاصلاح والتغيير لا تتوقف على الانتخابات فقط.
رابعا شكل تدبير الانتخابات وهندسة مجالها من طرف أم الوزارات هو جزء من القصور في التدبير الديمقراطي للانتخابات والتي تتيح للمال الحرام مجال توسعه وهيمنته على الاختيار الحر والديمقراطي، ويعزز هذا القصور الحياد السلبي لاادارة.
خامسا: الخلاصة هي انه يمكن اعتبار المقال نظرة نقدية لتدبير الشان الانتخابي، ولا يمكن اعتباره نقدا سياسيا للاحزاب، لان الاحزاب تختلف وليست كلها على نمط واحد، تم لايمكن انتقاد فساد الاحزاب دون دكر مصادر الفساد وبؤر نمائه وتمدده في بيئة توجد اصلا خارج الاحزاب.