2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
هل يعرض مسؤولون بالمغرب أمن الدولة للخطر بالاستعمال غير الآمن للذكاء الاصطناعي؟ (خبير يجيب)
بات الذكاء الاصطناعي يتغلغل في مفاصل الإدارة العمومية المغربية، فبينما يتسابق المسؤولون لتبني هذه التقنيات لتعزيز الكفاءة، تبرز تساؤلات حول مدى وعي “صناع القرار” بالمخاطر السيادية المرتبطة بها. فهل تحولت الأدوات الذكية، في يد بعض الوزراء ومدراء المؤسسات الاستراتيجية، إلى ثغرات رقمية تهدد أمن الدولة؟
وتشير تقارير لى لجوء مسؤولين في قطاعات حساسة إلى منصات ذكاء اصطناعي مفتوحة وعالمية لمعالجة بيانات رسمية أو صياغة تقارير استراتيجية، دون إدراك أن هذه البيانات تُخزن وتُعالج خارج الحدود الوطنية.
وفي ظل غياب بروتوكولات تُقيد استخدام هذه التطبيقات في المكاتب الحساسة، يطرح مراقبون تساؤلات حول الفجوة بين الطموح الرقمي والتحصين السيادي. كيف يمكن للمغرب أن يحمي أمنه القومي من “تجسس خوارزمي” ؟ وما هي الإجراءات الاستعجالية التي يجب اتخاذها لتأطير استعمال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الكبرى قبل وقوع ما لا تحمد عقباه؟
جوابا على هذه الإشكاليات؛ يرى سعيد الغماز، باحث في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بأن التطور المتسارع للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي يعرفه العالم، يضع الدول أمام تحدي السيادة الرقمية، وتعزيز أمن المعطيات والبيانات. الدولة المغربية، انخرطت في هذه الموجة الرقمية وفي بحر الذكاء الاصطناعي باعتماد استراتيجية رقمية تحت عنوان “المغرب الرقمي 2030”.

وشدد الغماز، في تصريح خص به ”آشكاين، على أن اختيار المغرب لركوب سفينة الذكاء الاصطناعي، تضع الدولة أمام معادلة الانخراط الشامل في عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، مقابل خطورة اختراق المعطيات وفقدان السيادة الرقمية وما يتبعها من تهديدات لأركان الدولة والأمن القومي.
وقال ذات الخبير إن أكبر المتخصصين العالميين في الرياضيات والخوارزميات، لا يمكنه أن يجد حلا دائما لهذه المعادلة. لأن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، هو موجة في بحر الرقمنة، من تصدى لها يعرض نفسه لمخاطر الغرق وربما الإنقراض، ومن انغمس في المياه حتى تمضي موجة الذكاء الاصطناعي، سيجد نفسه في عزلة تامة عن العالم قد تجعله متخلفا عن الركب بسنوات ضوئية. والحال الأمثل هو السباحة مع موجة الذكاء الاصطناعي، مع العمل على الحد من مخاطر الاختراق وفقدان السيادة الرقمية.
هل تنخرط الدولة في عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، أم تستغني عنه تفاديا لمخاطر فقدان السيادة الرقمية؟
يرى الغماز أن هذا السؤال لا محل له في عالم الغد. العالم يسير في اتجاه التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ومن تخلف عن ركب الرقمنة، سيجد نفسه خارج التغطية ومعزولا في الزاوية.
وأوضح أن المغرب حقق إنجازا معتبرا في مواكبة ما يشهده العالم من تطورات كبيرة ومتسارعة في الرقمنة والذكاء الاصطناعي. لكن ما نشهده من اختراق لبيانات مؤسسات استراتيجية من فترة لأخرى، يعكس ضعف الدولة في تأمين سلامة المعطيات وتعزيز السيادة الرقمية التي تعني تأمين المعطيات الاستراتيجية من أي خطر للاختراق.
أما بخصوص سؤال عن استعمال بعض الوزراء والمسؤولين الحكوميين للذكاء الاصطناعي بطريقة غير آمنة قد تشكل خطرا على الأمن الرقمي للمملكة وعلى المعطيات الشخصية للمغاربة، أجاب المتحدث أنه ”سؤال وجيه. فالاختراق قد يتسبب فيه دخول المسؤول الحكومي لمنصة رقمية استراتيجية من هاتفه الشخصي أو هاتف أحد أفراد أسرته أو من أي حاسوب آخر”.
وشدد على أن مثل هذه السلوكيات، تشكل خطرا كبيرا على الأمن الرقمي للدولة، وقبل ذلك هو سلوك إن حدث، يعكس نوعا من الاستهتار بالأمن الرقمي ونوعا من التهور في تقدير خطورة ذلك الفعل.
ما العمل لتحقيق الأمن الرقمي للدولة وحماية معطيات المواطنين والمؤسسات؟
أجاب الغماز عن هذه ”المعضلة” من زاويتين: الزاوية الأولى وهي أساسية في تقليص مخاطر الاختراق إلى الحد الأدنى، لافتا إلى إن الدولة المغربية يجب أن تعمل على الانتقال بالمغرب من مستهلك للذكاء الاصطناعي، إلى منتج ومبتكر له.
وأضاف ”الهدف ليس ضربا من الخيال، بل هو في متناول أي دولة أنتجت مخططات واستثمرت في الذكاء الاصطناعي بكثافة وبذكاء. وهو مشروع يتطلب انخراط القطاع الخص فيه بتشجيع من الدولة”.
الزاوية الثانية، وفق المتحدث، تتجلى في العديد من الإجراءات التي من شأنها حماية المعطيات الاستراتيجية وتعزيز الأمن الرقمي. ومن تلك الإجراءات يمكنني أن أذكر الأمور التالية: الحرص على تخزين البيانات الاستراتيجية داخل التراب الوطني؛ الاستثمار في الحوسبة السحابية أي الكلاود (Cloud Computing) وذلك بالاستعانة بالقطاع الخاص. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المملكة المغربية قطعت أشواطا مهمة في هذا المجال؛ تقليص الارتباط الشامل بالفاعلين الأجانب في مجال الحوسبةالسحابية والتخزين الرقمي؛ تعزيز البرمجيات الخاصة بالأمن السيبراني Cybersécurité؛ تكثيف الدورات التكوينية في مجال الأمن السيبراني لكل المؤسسات الاستراتيجية. إلى جانب تعزيز القوانين المتعلقة بحماية المعطيات. فكل مؤسسة، بحسب الغماز، تتعامل بمعطيات المواطنين، يجب أن تستثمر في الحماية السيبرانية وفق قوانين صارمة في هذا المجال.
وخلص الغماز، في نصريحه للجريدة، إلى أن أن الانخراط في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، هو خيار استراتيجي ولا يمكن لأي دولة أو مجتمع الابتعاد عنه. إنه عالم فرضته التكنولوجيا الرقمية، ولا سبيل للدولة سوى الانخراط فيه. الأكيد هو أن الانخراط في العالم الرقمي محفوف بالمخاطر، وعلى الدولة أن تستثمر في هذا المجال، وتبتكر في المشاريع التي ستعزز الأمن السيبراني للمملكة المغربية.